الأقسام
حجم الخط:

هلق صار فينا نصلّح الأسطل يا فخامة الرئيس

هلق صار فينا نصلّح الأسطل يا فخامة الرئيس

في لحظة سياسية بالغة الحساسية، أوعز بنيامين نتنياهو إلى الكابينت الإسرائيلي بالدخول في مفاوضات مباشرة مع لبنان، مفاوضات لا تنتظر وقفًا لإطلاق النار، بل تُدار تحت وقع القصف والنار.

مشهدٌ يختصر حجم التحوّل: التفاوض لم يعد نتيجة للهدوء، بل أداة تُفرض في قلب المواجهة.

الأخطر في هذا المسار ليس فقط توقيته بل مضمونه السياسي فإعجاب نتنياهو بقرار الحكومة اللبنانية أن تكون بيروت "خالية من السلاح" ليس تفصيلًا عابرًا.

هو مؤشر واضح على شكل لبنان الذي تريده إسرائيل: دولة منزوعة القدرة، بلا أوراق ضغط، تُفاوض من موقع الضعف، وتُقدّم التنازلات تحت التهديد.

لكن، كيف يمكن للبنانيين أن يدخلوا في هذا المسار وكأن الذاكرة قد مُسحت؟

كيف يمكن تجاهل الأراضي اللبنانية التي لا تزال محتلة، من مزارع شبعا إلى النقاط الحدودية المتنازع عليها؟

كيف يمكن تجاوز دماء الشهداء الذين سقطوا خلال اجتياح لبنان 1982، أو خلال كل جولات العدوان اللاحقة؟

المشكلة اليوم ليست فقط في العدو، بل في الداخل أيضًا. حين قرر حزب الله حصر خيار المقاومة بيده، أخرج هذا القرار من كونه خيارًا وطنيًا جامعًا إلى كونه مشروعًا خاصًا.

ومع الوقت، تحوّل هذا الاحتكار إلى عبء: إذ لم يعد باقي اللبنانيين شركاء في القرار، لكنهم في الوقت نفسه يتحمّلون كلفته كاملة، من حرب واقتصاد وعزلة.

وهنا تتعقّد الصورة أكثر فالدولة التي لم تكن تملك قرار الحرب، تجد نفسها اليوم مطالبة بإدارة قرار السلام أو التفاوض والمقاومة التي احتكرت السلاح، تجد نفسها أمام لحظة يُعاد فيها رسم قواعد اللعبة، وربما على حسابها.

المفارقة المؤلمة أن لبنان، الذي كان يُفترض أن يكون في موقع الدفاع عن حقوقه، يبدو وكأنه يُدفع إلى طاولة التفاوض لتثبيت وقائع جديدة، لا لاستعادة حقوقه. وكأننا ننتقل من مرحلة الصراع على الأرض إلى مرحلة تثبيت الخسائر.

"هلق صار فينا نصلّح الأسطل"… عبارة تختصر السخرية المرة من هذا الواقع. بعد كل ما جرى، بعد الدم والدمار والانقسام، يُطلب من اللبنانيين أن يجلسوا بهدوء، ويعيدوا ترتيب المشهد، وكأن شيئًا لم يكن.

لكن الحقيقة أن الإصلاح لا يبدأ من طاولة مفاوضات مفروضة تحت النار، ولا من قرارات تُرضي العدو، بل من إعادة بناء قرار وطني موحّد:

قرار يعيد تعريف المقاومة كخيار وطني لا فئوي،

ويعيد للدولة دورها الكامل،

ويضع كرامة الناس وحقوقهم فوق أي حسابات أخرى.

وإلا، لن نكون أمام "تصليح الأسطل"، بل أمام تكريس الشقوق فيه… إلى أن ينكسر بالكامل.