ليس السؤال اليوم إن كان أحمد الشرع قد تغيّر، بل إن كان التغيير نفسه حقيقة أم وظيفة؟.
ففي لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، ظهر رجل خرج من عباءة الجهادية الصلبة ليقدّم نفسه بصفته رجل دولة، يتحدث بلغة المصالح لا العقائد، وبمنطق الإدارة لا الفتوى. لكن هذا التحول، على وضوحه الظاهري، يفتح بابًا أعمق:
هل نحن أمام مراجعة فكرية عميقة تُعيد إنتاج الإسلام السياسي في نسخته السورية، أم أمام براغماتية باردة ليس في أدبياتها خطاب تكفيري أو جهادي عالمي، بل فلسفتها: "سوريا أولًا، وكل القضايا الأخرى ثانوية، المهم أن ننهض بدمشق."
هذا ما سعى لتفكيكه علمياً ومهنياً كتاب: «المحوَّلون على يد الشعب» لباتريك هيني وجيروم دريفون، الصادر عن دار هيرست اللندنية عام 2025.
حيث اجتهد الكاتبان للإجابة عن تساؤل مزدوج: هل كان هذا التحول حقيقيًا أم تكتيكيًا؟ وإن كان حقيقيًا، فما الذي صنعه وأي قوى شكّلته؟
يقدم المؤلفان جواباً مخبرياً مفاده أن التحول كان حقيقيًا إلى حدٍّ بعيد، وغير قابل للاختزال في خطة استراتيجية معدّة سلفًا، بل نشأ في معظمه نتيجة ضغط المجتمع ذاته على المنظومة الأيديولوجية للحركة.
وهو مسار يشبه ما عُرف بالمنعطف "الثيرميدوري" في التاريخ الفرنسي، أي مرحلة "رد الفعل" التي تلي الثورات الراديكالية، حيث يتم التخلي عن التطرف الأيديولوجي لصالح الاستقرار والبراغماتية.
هيني ودريفون
يكتب هيني ودريفون عن الهيئة والشرع وتجربة إدلب استنادًا إلى معاينة ميدانية امتدت ست سنوات، منذ عام 2019 حتى 2025، تخللتها لقاءات مباشرة وحوارات معمّقة.
وهما في الأصل مختصان في الإسلام السياسي والجهادي، وقد قاربا التجربة انطلاقًا من فهم عميق لخلفيات القيادة ومحركاتها، عبر نقاشات حول الشريعة والسياسة والاستراتيجية الجيوسياسية وأوضاع الأقليات.
إلا أنهما يقرّان بأن لهذا القرب ثمنه؛ إذ بقيت جوانب مظلمة، خصوصًا ممارسات الجهاز الأمني، خارج نطاق ملاحظتهما.
التغيير المدفوع بالممارسة السياسية
يقرأ الكتاب مسار هيئة تحرير الشام بوصفها حركة تطمح إلى دمشق، لكنها اضطرت إلى إدارة مجتمع لم يتقبل أيديولوجيتها التأسيسية، وعجز جهازها القسري عن فرضها عليه.
وتكمن أطروحة الكتاب في أن التحول كان نتيجة الممارسة السياسية، لا مراجعة عقدية خالصة. وعلى خلاف تجارب الجماعات الجهادية في مصر وليبيا، التي راجعت أفكارها من موقع ضعف داخل السجون، أجرت الهيئة مراجعاتها من موقع قوة، أثناء حكمها لمليوني إنسان.
ويصف الكاتبان هذه الظاهرة بـ"إزالة التطرف الصامتة"، حيث تراكمت التنازلات التكتيكية تدريجيًا حتى تحولت إلى بنية استراتيجية بلغت نقطة اللاعودة، ضمن ما يسمّيانه "تأثير الطاحونة العكسية".
النشأة المختلفة
يكشف الكتاب أن أحمد الشرع لم يكن يومًا نسخة مطابقة لتنظيم "دولة العراق". وينقل عن القيادي المؤسس صالح الحموي أن للشرع مواقف متمايزة حتى خلال وجوده في العراق، منها رفض استهداف الأسواق المدنية، وقبوله بوجود أشاعرة داخل "النصرة".
هذه الشهادة تعزز صورة الشرع كشخصية براغماتية مبكرة، أدركت الفارق بين السياق العراقي القائم على طائفية انتقامية، والسياق السوري الذي تطلب حضورًا اجتماعيًا مختلفًا.
الحوكمة كرافعة للتحول
يُظهر الكتاب أن تولّي الحكم في إدلب لم يكن غطاءً شكليًا، بل عاملًا مبدّلًا لطبيعة الهيئة.
فعندما اضطرت لإدارة المخابز والمدارس والقضاء والاقتصاد المحلي، وجدت نفسها أمام مجتمع لا يمكن تكفيره أو إقصاؤه، ما فرض عليها إعادة صياغة أدواتها.
وهكذا تحولت الحوكمة إلى مصفاة تُقصي كل ما يعيق الحكم، واستُبدل "الجيل الجهادي" بجيل تكنوقراطي إسلامي مرتبط بالشرع، يمتلك أدوات الإدارة الحديثة.
الخروج من السلفية
من أبرز مؤشرات التحول، تغيّر موقف الهيئة من التصوف، حيث انتقلت من رفضه إلى حماية التكايا، وتسجيل مشايخه رسميًا لدى وزارة الأوقاف، والسماح بإحياء المولد النبوي الشريف.
وينقل الكتاب عن أحد مشايخ إدلب: "لا نرى انفتاحًا كاملًا، لكننا نرى هامشًا واسعًا من التسامح."
التعامل مع الأقليات
يورد الكتاب زيارة الشرع لقرية قلب لوزة عام 2022، حيث قال للدروز: "لا إكراه في الدين"، في موقف يعكس مراجعة عميقة.
كما يشير إلى تجربة إيجابية مع المسيحيين في إدلب، ساهمت في طمأنتهم في حلب ومناطق أخرى، وأنتجت نموذجًا إداريًا قائمًا على تقليص التوتر الطائفي والتفاوض مع المكونات الاجتماعية.
السؤال المفتوح
يبقى السؤال: هل أنتجت الهيئة فعلًا بنية تأويلية جديدة للإسلام السياسي، أم أنها اكتفت بمهادنة الواقع؟
يأتي الجواب على لسان عبد الرحيم عطون:
"النظام الدولي لا يفضّل الأقوى، بل الأكثر قدرة على التكيّف...لكل زمان ومكان فقهُه، فالشريعة ليست معادلة رياضية جامدة؛ هي أوسع بكثير من تفسيراتنا الضيقة، فلا يمكنك أن تجمع بين خطاب جهادي يُثير غضب الغرب، وبين مهمة بناء الدولة."
وهنا تطرح إشكالية أخرى:
هل نحن أمام تحوّل مستقر بلغ نقطة اللاعودة، أم أمام "هدنة أيديولوجية مؤقتة" بانتظار تبدّل موازين القوة؟