منذ أيام شاهدت في أحد البرامج التلفزيونية، أحد المتحدثين يتشدق بأننا تعبنا من الحروب مع إسرائيل، وأن الصراع انتهى، و الطريق الوحيد ، أمامنا ، هو الذهاب إلى السلام. بدا ذلك المتحدث واثقاً وهو يحاول أن يضفي هذه الثقة على من حوله في الاستوديو، مقدّماً صورة عن إسرائيل كطرف ينتظر بفارغ الصبر توقيع معاهدة سلام عادلة ومتوازنة، وكأن الصراع لا يعدو كونه خلافاً عابراً يمكن حله بشعار “يا جاري أنت بدارك وأنا بداري”، في مشهد أقرب إلى الأساطير منه إلى الواقع السياسي المعقّد. متناسياً بالطبع اتفاق الهدنة او اي اتفاق لوقف إطلاق النار ، قبل الحديث عن السلام …
.كذلك الأمر لا يغيب عن هذا الخطاب، كما عن غيره من خطابات بعض النخب العربية التي تسعى إلى تقديم الصراع مع إسرائيل باعتباره نزاعاً قابلاً للحل عبر التنازلات والتطبيع والانخراط في مسارات التسوية، على افتراض أن إسرائيل تريد السلام، وأن العقبة الأساسية لا تتعدى " أزمة ثقة "أو "سوء إدارة" المفاوضات، أو حتى تصوير اسرائيل كدولة جارة مسالمة و آمنة تتعرض لاتهامات ، واعتداءات غير مبررة .
في هذه المقالة سوف نستعرض ابرز محطات الصراع العربي الإسرائيلي و اسباب هذه السذاجة و السهولة لدى بعض النخب العربية بشكل عام و اللبنانية بشكل خاص في طرح فكرة السلام مع اسرائيل كما يتم طرحها في هذه الايام ، في ظل العدوان الوحشي على لبنان .
اذن ، أن استعراض تاريخ هذا الصراع، من ما قبل القرار ٢٤٢ /٦٧ وحتى اليوم، يكشف لنا الأمور التالية :
أولاً : أن هذه المقاربة قامت في معظمها على الرغبة والتمني أكثر مما قامت على فهم عميق لطبيعة المشروع الإسرائيلي وبنيته الفكرية والسياسية والاستراتيجية و الدينية وعقيدته التوسعية ومشروعية اغتصابه لفلسطين و بعض من أراض الدول المجاورة .
ثانياً: منذ نشأة المشروع الصهيوني، لم يكن التوسع تفصيلاً طارئاً، بل ركيزةً بنيوية راسخة. وقد أثبتت التجربة أن إسرائيل تعاملت مع الاتفاقيات والتسويات بوصفها أدوات مرحلية ( استراحة محارب ) لاعادة تقدير الموقف و الانطلاق لاحقا لمزيد من العدوانية و التوسع ، وليس إقراراً بنهاية الصراع ولا قبولاً بشراكة متوازنة مع العرب. فمن قرار التقسيم إلى اتفاقيات الهدنة، ومن القرار 242 إلى أوسلو ووادي عربة واتفاقات التطبيع الأخيرة، ظلت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه واحد لا يتبدل: تكريس التفوق الإسرائيلي وتوسيع النفوذ والسيطرة.
ثالثاً: شكّل القرار. ٢٤٢ عقب حرب ١٩٦٧ منعطفاً نحو خيار التسوية على قاعدة “الأرض مقابل السلام”، إلا أن إسرائيل عمدت إلى تفسيره تفسيراً انتقائياً ، يُبقي لها الأراضي المحتلة ويفرض ترتيبات أمنية ، تجرّد أي انسحاب من مضمونه السيادي. وبمرور الوقت، تحوّلت عملية السلام إلى عملية مفتوحة بلا أفق، فيما واصل الاستيطان توسعه المتصاعد في الضفة الغربية والقدس، في تناقض صارخ مع روح أي تسوية حقيقية.و مع المواثيق و القوانين الدولية لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الامن لا سيما القرار ٢٣٣٤ /٢٠١٦
رابعاً : ما كشفته العقود الماضية بجلاء هو أن الاستيطان لم يكن يوماً سياسة حكومية ظرفية، بل مشروعاً استراتيجياً ثابتاً تتبناه معظم التيارات السياسية الإسرائيلية بدرجات متفاوتة. والأرقام وحدها تختصر المشهد بصدق لا يحتاج إلى تعليق: ففي الضفة الغربية وحدها، بلغ عدد المستوطنات بنهاية عام ٢٠٢٥ نحو ٣٥٠ مستوطنة، من بينها قرابة ٢٠٠ نقطة استيطانية تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى شرعنتها، فيما تجاوز عدد المستوطنين حاجز ٧٥٠ ألف مستوطن، بينهم ٢٥٠ ألفاً في القدس الشرقية وحدها. أما في الجولان السوري المحتل منذ عام ١٩٦٧ فقد أقامت إسرائيل ٣٥ مستوطنة تمتد على طول الهضبة من شمالها إلى جنوبها، يقطنها نحو ٢٩ ألف مستوطن، وذلك على أنقاض قرى عربية سورية دمّرتها إسرائيل بالكامل. والأخطر من مجرد الأعداد هو الوتيرة المتصاعدة: ففي عام ٢٠٢٥ وحده، قُدِّمت خطط لبناء نحو ٤٧٣٠٩ وحدة سكنية أو جرت الموافقة عليها، في أعلى معدل توسع يُسجَّل منذ عام ٢٠١٧ على الأقل، مقارنةً ٢٦.٦٨ وحدة في عام ٢٠٢٤ . وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريس هذا التوسع بأنه يواصل “تأجيج التوترات ويهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة”.
خامساً : ففي الوقت الذي كانت تُعقد فيه المؤتمرات الدولية وتُرفع شعارات السلام، كانت المستوطنات تتمدد، والوقائع الديموغرافية والجغرافية تتغير بصورة تجعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمراً أشد عسراً مع كل عام يمر. وهكذا تحوّلت المفاوضات، في نظر كثيرين، إلى غطاء سياسي لإدارة الصراع لا لحله.
وبالتالي، تحوّل مفهوم السلام تدريجياً: من “الأرض مقابل السلام” إلى “السلام مقابل الاستسلام”، حيث لم يعد المطلوب إنهاء الاحتلال بقدر ما أصبح المطلوب التكيّف معه والتعايش مع نتائجه
ولا يقتصر هذا التوجه على الملف الفلسطيني وحده، إذ يمتد ليعكس طبيعة التفكير الإسرائيلي تجاه المنطقة بأسرها. فالتصريحات المتكررة الصادرة عن شخصيات يمينية ودينية متطرفة في الحكومة الإسرائيلية، ولا سيما تصريحات إيتمار بن غفير بشأن الاستيطان وفرض ترتيبات إسرائيلية طويلة الأمد في جنوب لبنان، ناهيك عن اقرار مجموعة قوانين منها على سبيل المثال قانون القومية ( ٢٠١٨) ، قانون اعدام الاسرى الفلسطينين (٢٠٢٦) ، قانون التسوية (٢٠١٧) الذي يشرعن المستوطنات و يمنحهم الدعم و التمويل في الضفة الغربية ، تعكس عقلاً سياسياً يقوم على فائض القوة، ويؤمن بإمكانية إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الأمنية والعقائدية الإسرائيلية.
هذه التصريحات ليست مواقف فردية معزولة، بل هي تعبير عن تحولات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يتنامى نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة التي ترى في القوة العسكرية والتوسع وفرض الوقائع سبيلاً أساسياً لضمان مستقبل إسرائيل. وتصاعد نفوذ الحريديم والأحزاب الدينية المتطرفة يُجسّد انحرافاً تدريجياً نحو الانغلاق القومي والديني، بعيداً عن الصورة التي حرص الغرب لعقود على تقديمها عن إسرائيل بوصفها ديمقراطية تنشد الأمن والسلام.
يستدعي هذا المشهد سؤالاً جوهرياً: لماذا ما زالت قطاعات من النخب العربية تعتقد أن إسرائيل تريد السلام، وأن التطبيع والتسويات قادران وحدهما على إنهاء الصراع؟
الإجابة لا تتعلق بطبيعة إسرائيل فحسب، بل ترتبط أيضاً بأزمة عميقة أصابت العقل السياسي والثقافي العربي ، للأسباب التالية:
آولاً : معظم هذه النخب تشكّل وعيها في بيئات قامت على القمع الفكري والجسدي، وعلى تهميش العقل النقدي وإضعاف القدرة على التفكير الحر. وقد أفرز الاستبداد الطويل إنساناً خائفاً ومتردداً، منفصم الشخصية ، يميل إلى مسايرة القوة بدل مواجهتها، وإلى البحث عن المصلحة الخاصة و النجاة الفردية بدل الانخراط في مشاريع التغيير.
ثانياً : مع الزمن، أنتج هذا الواقع طبقات طفيلية سياسية وثقافية واقتصادية ربطت مصالحها ببقاء أنظمة التبعية والقمع، وغدت تعتاش على الخضوع والتزلف مقابل المال أو الجاه أو الأمان. وفي هذه البيئة، تراجع المثقف النقدي وحلّ محله نموذج “المثقف الوظيفي” الذي يبرر القائم ويتكيف معه، حتى على حساب القضايا الوطنية والقومية الكبرى. وهذا الإنسان مواطناً ام مثقفاً وصل إلى مكان اصبح لا يرى اي انتصار ببصيرته ، بل يعيش الهزيمة العسكرية بدءاً من النكبة و النكسة ، التي تحوّلت إلى هزيمة نفسية وفكرية ، دفعت بعض النخب إلى اعتبار التفوق الإسرائيلي قدراً لا مناص منه، وأن الانخراط في كسب رضاه خيارٌ عقلاني.
ثالثاً : يُضاف إلى ذلك غيابٌ مزمن لمراكز بحثية عربية متخصصة في الشأن الإسرائيلي. فرغم عقود الصراع، لم يبنِ العالم العربي مؤسسات قادرة على دراسة إسرائيل علمياً بكل أبعادها: تاريخها، وعقيدتها الأمنية، وبنيتها الاجتماعية والدينية، وتحولاتها الديموغرافية والسياسية. وقد ملأ هذا الفراغ المعرفي خطابان متناقضان لا ثالث لهما: خطاب تعبوي عاطفي يفتقر إلى التحليل، وخطاب تبسيطي ساذج يتعامل مع إسرائيل كدولة طبيعية يكفي دمجها اقتصادياً لتسوية كل شيء. وفي الحالتين، غاب الفهم الواقعي المركّب لطبيعة هذا الكيان ومشروعه الإقليمي التوسعي .
رابعاً : الصراع المذهبي في معظم الدول العربية و الفتن و الحروب الاهلية ، أضاع بوصلة الاعداء الأصدقاء ، فتحول الصديق إلى عدو و العدو إلى صديق . مما أدى إلى الانقسام حول مفهوم المقاومة و معناها ، حول طبيعة الصراع ،و ترافق ذلك مع غياب او اضمحلال الفكر القومي و الوحدوي ، الذي اعتبر القضية الفلسطينية قضية العرب حكاماً و شعوباً .
خامساً : القمع المتواصل ، يُعيد تشكيل الوعي الجمعي، ويُنتج مجتمعات مرهقة تُؤثر الاستقرار على أي ثمن، ولو كان الثمن التخلي التدريجي عن الحقوق والسيادة والكرامة. ولهذا فإن بعض الدعوات العربية إلى السلام لا تنبثق من قراءة استراتيجية رصينة، بل من إنهاك حضاري ونفسي عميق، ومن إحساس بالعجز أمام التفوق الغربي والإسرائيلي، ومن خوف مزمن من الفوضى والانهيار. فيصبح السلام في هذا الإطار ليس مشروعاً قائماً على العدالة، بل محاولةً للهروب من الصراع بأي صورة.
سادساً : الإرهاق الكبير الذي تتعرض له شعوب المنطقة بسبب الحروب و النزاعات . انتج طبقة تعتبر ان السلام كيف ما اتى ، هو مفتاح التطور و النمو الاقتصادي و الرفاهية و الطمأنينة .
في الواقع ، أن السلام الحقيقي لا يقوم على اختلال فادح في موازين القوى، ولا على قبول طرف بالتخلي عن حقوقه التاريخية مقابل وعود بالأمن والانتعاش الاقتصادي. فسلام الضعفاء لا يتحوّل في نهاية المطاف إلا إلى استسلام تدريجي مُقنَّع، وإعادة تشكيل للوعي والثقافة والاقتصاد لصالح الطرف الأقوى. وقد أكدت التجارب المتراكمة أن إسرائيل، حين تواجه بيئة عربية ضعيفة ومتفككة، لا تتجه نحو تقديم تنازلات تاريخية، بل نحو مزيد من التشدد وفرض الشروط.
لذلك يبدو الرهان على أن مزيداً من التطبيع أو التنازلات سيُفضي تلقائياً إلى السلام بعيداً عن الواقع. فالمشكلة الجوهرية ليست غياب الاتفاقيات، بل طبيعة المشروع الإسرائيلي ذاته، واستمرار الاحتلال والاستيطان ورفض الاعتراف الكامل بالحقوق الفلسطينية والعربية. وقد أثبت التاريخ أن إسرائيل كثيراً ما تُعيد تفسير الاتفاقيات أو تنقضها وفق موازين القوى ومصالحها المتغيرة، مستفيدةً من الدعم الغربي والتشرذم العربي وغياب أي آلية فاعلة لمحاسبتها. ومن ثَمّ، فأي سلام لا يُعالج جذور الصراع، ولا يقوم على العدالة والتوازن والحقوق المتبادلة، سيظل هشاً ومؤقتاً، محكوماً بالانفجار عند أول تحول في موازين القوى أو في المعطيات الإقليمية.
أثبتت العقود الماضية أن القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي قد يفرضان وقائع سياسية مؤقتة، لكنهما عاجزان عن صنع سلام دائم. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الهيمنة، ولا على محو الذاكرة، ولا على تحويل الشعوب إلى جماعات مهزومة نفسياً وثقافياً.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العالم العربي لا يقتصر على المواجهة العسكرية أو السياسية مع إسرائيل، بل يبدأ أولاً بإعادة بناء الإنسان العربي، وتحرير العقل من اعباء الهزيمة، وتشييد مشروع حضاري وعلمي واقتصادي قادر على إنتاج التوازن. لأن الأمم لا تخسر حين تتعرض لهزيمة عسكرية فحسب، بل حين تفقد قدرتها على الإدراك الصحيح، والمقاومة بكافة اشكالها و أنواعها .