الأقسام
حجم الخط:

العرب بين الثروة والمعرفة والحرية: إشكالية النهضة الثانية

العرب بين الثروة والمعرفة والحرية: إشكالية النهضة الثانية

هل يشهد العالم العربي اليوم تباشير نهضة جديدة؟

وهل بدأت المنطقة بالخروج تدريجيًا من مرحلة طويلة من التراجع والتفكك نحو مشروع حضاري مختلف يعيد تعريف علاقتها بالعالم وبفكرة المستقبل نفسها؟

قد أبدو حالمًا، وربما ساذجًا في نظر البعض، حين أبحث وسط هذا الكم الهائل من الدمار والصراعات والانقسامات التي تعيشها منطقتنا عن ملامح أمل جديد. لكن، رغم كل ما أصاب العالم العربي من حروب وأزمات وتراجع سياسي واقتصادي وفكري، يصعب تجاهل أن المنطقة تقف اليوم أمام تحولات تاريخية قد تعيد رسم مستقبلها خلال العقود المقبلة.

فهذا الجزء من العالم، الذي يضم ما يقارب خمسمئة مليون إنسان، ويملك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وموارد طبيعية هائلة، يجد نفسه اليوم على أعتاب ثورة تكنولوجية جديدة. وربما تكون هذه التحولات فرصة تاريخية للحاق بالعالم المتقدم، ليس فقط عبر التنمية الاقتصادية، بل عبر إعادة بناء الإنسان والدولة والمؤسسات والعقل السياسي نفسه، بما يتناسب مع التحولات الجديدة في الاقتصاد الرقمي و التكنولوجيا و الطاقة المتجددة و الذكاء الاصطناعي ، والتي ما رالت في طور التشكل .

غير أن تحقيق ذلك لن يكون ممكنًا من دون مراجعات عميقة في الذهنية السياسية والإدارية والثقافية السائدة، ومن دون الانتقال من إدارة الأزمات إلى ايجاد الفرص المستقبلية ، ومن منطق الاستهلاك والتبعية و الزبائنية ، إلى منطق الإنتاج والمعرفة والابتكار و الفكر و التفكير النقدي .

وفي خضم هذه التحولات العالمية التاريخية الكبيرة ، يبدو العالم العربي وكأنه يقف بين مسارين متناقضين؛ فمن جهة، تعيش المنطقة أزمات عميقة تتمثل في الحروب الأهلية والانقسامات الطائفية والتدخلات الخارجية والأزمات الاقتصادية وتراجع كفاءة مؤسسات الدولة في عدد من البلدان وغياب الشفافية و الحوكمة ، ومن جهة أخرى، تظهر محاولات جديدة لإعادة بناء الاقتصاد والدولة ومفهوم التنمية، خصوصًا في بعض الدول التي أدركت بالفعل أن مستقبلها لن يصنع بالنفط وحده، بل بالعلم والتكنولوجيا والاستثمار في بناء الإنسان.

غير أن الحديث عن “نهضة عربية ثانية” يبدو سابقاً لأوانه، حيث يجب علينا أولاً تحديد دقيق لمفهوم النهضة ذاته. فالنهضة لا تقتصر على تنفيذ مشاريع بنى تحتية كبرى أو تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، بل هي عملية مستمرة و تحول حضاري و ثقافي وإصلاحي شامل يمس مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية. كما يعيد هذا التحول صياغة علاقة الإنسان بالدولة وبالتكنولوجيا وبالمعرفة والعلم والعالم. والأهم من ذلك ببعض من التقاليد و العادات الثقافية المتوارثة عبر الاجيال ، ذلك أن النهضة تقوم على التنمية البشرية و على منظومة حقوق الانسان باعتبارها المدماك الرئيسي لاي نهضة .

ولفهم إمكانات نهضة عربية جديدة، لا بد من العودة إلى التجربة النهضوية الأولى في التاريخ العربي الحديث.

حيث عرف العالم العربي بالفعل تجربة نهضوية كبرى بدأت خلال القرن التاسع عشر، حيث جاءت تلك النهضة في سياق احتكاك العرب بالحداثة الأوروبية،منذ الحملة الفرنسية على مصر ، وبعد قرون من التراجع السياسي، والفكري، و الثقافي ، خاصة خلال المراحل الأخيرة من الحكم العثماني. لقد شكلت الحملة الفرنسية ، ثم حركة الترجمة و البعثات الخارجية ، والانفتاح على العلوم الحديثة، صدمة معرفية دفعت عدداً من المفكرين العرب إلى طرح أسئلة الإصلاح والتقدم والحرية…

برز آنذاك مفكرون ومصلحون حملوا مشروعاً فكرياً وثقافياً هدفه إعادة بناء المجتمع العربي على أسس جديدة. فقاد رفاعة الطهطاوي حركة الترجمة والانفتاح على العلوم الحديثة، ودعا جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي إلى مقاومة الاستبداد السياسي والفكري، بينما عمل محمد عبده على تجديد الفكر الديني وربطه بروح العصر. وفي بلاد الشام، لعب مفكرون وأدباء مثل ناصيف اليازجي وبطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق دوراً محورياً في إحياء اللغة العربية وترسيخ الهوية الثقافية والقومية الحديثة.

كانت النهضة العربية حينها نهضة فكرية وثقافية بالدرجة الأولى؛ و تمحورت حول التعليم واللغة والهوية والتحرر من الجمود والاستبداد. ومع تطور الحركة القومية العربية خلال القرن العشرين، التي كان من روادها ساطع الحصري وقسطنطين زريق وميشال عفلق وغيرهم من المفكرين، تحولت هذه الأفكار تدريجياً إلى مشروع سياسي ارتبط بفكرة الوحدة العربية والتحرر الوطني والتنمية، وبلغ ذروته خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي مع صعود الرئيس جمال عبد الناصر، الذي حاول الربط بين القومية العربية و التحرر الوطني ، و المساواة، والعدالة الاجتماعية، والاستقلال السياسي ، و الاقتصادي.

غير أن هذا المشروع النهضوي تعرض لاحقاً لسلسلة من الانتكاسات العميقة. فالعوامل الخارجية، من الاستعمار وتقسيم المنطقة (سايكس - بيكو )، إلى الصراع العربي الإسرائيلي والتدخلات الدولية، لعبت دوراً مهماً في إضعاف المشروع العربي. لكن الأزمة لم تكن خارجية فقط؛ إذ ساهم الاستبداد السياسي، وضعف المؤسسات، وعسكرة الدولة، وفشل التنمية، وتراجع التعليم، وغياب الحريات، ولاحقًا النزاعات والحروب الأهلية والمذهبية، وتحكم الموروثات ، والعادات و التقاليد ، في القضاء على كثير من طموحات النهضة الأولى ومنعها من التحول إلى مشروع حضاري مستدام.

ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، دخل العالم مرحلة مختلفة جذرياً . فقد أصبحت المعرفة والتكنولوجيا والبيانات الاحصائية والابتكار عناصر أساسية في تحديد مكانة الدول ونفوذها.

في هذا السياق، بدأت بعض الدول العربية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، في تبني رؤى استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد وبناء نموذج تنموي جديد قائم على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار. وقد استندت هذه التحولات إلى ذهنية قيادية شابة ، طموحة وجريئة ، تسعى إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي، وإحداث تغييرات ثقافية ومجتمعية، وتنويع مصادر الدخل، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والبنية التحتية الحديثة.

و قد توجت هذه الرؤى في "رؤية ٢٠٣٠" السعودية و " رؤية نحن الإمارات ٢٠٣١" الاماراتية

حيث ركزت على التحول من الاقتصاد النفطي إلى اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا، عبر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، والطاقة المتجددة، والتعليم، والبحث العلمي،و الإصلاح الثقافي . ففي «رؤية السعودية 2030» ارتفعت مشاركة المرأة في سوق العمل إلى أكثر من ٣٥ ٪ . ؜ ورصد نحو ٢١ مليار دولار للبنى الثقافية، وتم انشاء ١٥٣ بيتًا ثقافياً ، مع توجيه ٥٪؜ من خريجي الثانوية للتخصصات الثقافية والفنية، ودعم قطاع السينما بحوالي مليار دولار، إضافة إلى أكثر من ٥١ ألف شركة ثقافية ناشطة .

أما «نحن الإمارات 2031» فتركز على المعرفة والابتكار والتنمية البشرية، مع تخصيص ١٥.٣ ٪؜ من الميزانية الاتحادية للتعليم عام ٢٠٢٥ ، واستهداف إنفاق ١،٥ ٪؜ من الناتج المحلي على البحث العلمي. كما تجاوز إنفاق السعودية على البحث والتطوير ٨ مليارات دولار عام ٢٠٢٤ ، وبلغ الإنفاق على التعليم نحو ٥٥ مليار دولار عام

رغم هذه الاستثمارات الكبيرة، لا تزال المنطقة العربية عمومًا بعيدة عن التحول الكامل إلى قوة علمية عالمية، لأن النهضة العلمية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الإنفاق، بل أيضاً بجودة الجامعات ، و التعليم بشكل عام و حرية البحث العلمي، وعدد الأبحاث المؤثرة عالمياً ، وبراءات الاختراع، ، وتوطين إنتاج التكنولوجيا محليًا.هنا لا بد من الإشارة إلى بعض الجامعات في السعودية و الإمارات قد صنفت ضمن المائتي جامعة الأفضل عالمياً .

حيث تصدّرت جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الجامعات العربية، وحلت في المركز ٦٧ ، ضمن أفضل الجامعات عالميًا وفق تصنيف Qs world university ranking 2026. و تبوأت جامعة الملك عبد العزيز المركز ١٥ عالمياِ في كلية الصيدلة و المرتبة ٢٤ عالمياً في تخصص الرياضيات و المرتبك ٧١ عالمياً في كلية الهندسة و التكنولوجيا وفقاً للتصنيف أعلاه ، اما الإمارات فقد صنفت بعض جامعاتها في مراكز متقدمة . لعل ابرزها جامعة خليفة للعلوم و التكنولوجيا حلت في المرتبة ١٧٧ طبقا لتصنيف Qs world university ranking 2026 , وحلت جامعة الامارات ضمن افضل ٢٥٠ جامعة بحسب التصنيف نفسه .…

لكن التكنولوجيا وحدها لا تصنع نهضة . فالسؤال الأكثر حساسية يبقى : هل يمكن للإبداع و المعرفة ان يزدهرا في غياب الحرية ؟

فالتاريخ يثبت أن الحضارات الكبرى لم تنهض فقط بفضل الثروة أو التكنولوجيا، بل بفضل مناخ أتاح للعقل أن يتساءل وينتقد ويبدع بلا قيود. والإشكالية العميقة هنا أن الإبداع الحقيقي والبحث العلمي الجاد لا يزدهران إلا في بيئة تتسامح مع الاختلاف ، في بيئة تحمي حرية الرأي والتعبير. فالسؤال الحقيقي ليس إن كانت هذه الدول تنفق على العلم والثقافة، بل إن كانت مستعدة لقبول ما ينتجه العلم والثقافة من أفكار تتحدى المسلمات التقليدية ، و الموروثات على اختلاف مشاربها ، وتعيد صياغة الوعي الجمعي. وبدون مواجهة صريحة لهذا السؤال، يظل أي مشروع نهضوي ناقصاً في جوهره، مهما بلغت أرقام الاستثمار وضخامة المشاريع.

بالإضافة إلى ذلك، تحاول الدولتان لعب أدوار سياسية ودبلوماسية أكثر تأثيراً في محيطهما الإقليمي، عبر السعي إلى تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في عدد من الدول العربية، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن التنمية والاستقرار عنصران مترابطان، وأن المنطقة لا يمكن أن تستعيد دورها في العالم في ظل استمرار الفوضى والصراعات المزمنة. و هذه خطوة مباركة ، ما قد يؤسس إلى تعاون علمي و تكنولوجي لاحق يستفيد من الموارد البشرية الكفوءة و المؤهلة في دول مثل مصر و لبنان و الجزائر و تونس و المغرب .

آملين أن تشكل هذه التحولات بدايات جدية لنهضة عربية جديدة تتجاوز حدود هاتين الدولتين إلى العالم العربي بأسره.

ولا يعني التركيز على التجربتين السعودية والإماراتية اختزال العالم العربي بهما، بقدر ما يعكس واقع أن هاتين الدولتين تمتلكان اليوم الموارد والاستقرار والإرادة السياسية التي قد تؤهلهما للعب دور القاطرة في أي مشروع نهضوي عربي أوسع.

غير أن هذا المسار لا يزال يواجه اعتراضات فكرية عميقة تشكك في إمكانية قيام نهضة عربية فعلية.

حيث يرى المشككون أن الحديث عن نهضة عربية ثانية ليس تفاؤلاً، بل هو تجاهل متعمد لبنية الأزمة العربية العميقة، ويستندون في ذلك إلى أربع حجج رئيسية:

أولاً: الثروة بلا مؤسسات لا تصنع نهضة. التاريخ لا يعرف نهضة بنيت على ثروة ريعية دون مؤسسات مستقلة وحوكمة حقيقية. فالدولة التي تملك النفط وتوزّعه تُنتج مواطناً مستهلكاً لا منتجاً، ومتعلماً يبحث عن وظيفة لا مفكراً يطرح أسئلة. وما يُسمى “رؤى” اليوم هي في جوهرها خطط تحديث فوقية، لا تغيير حضاري حقيقي نابع من المجتمع. (خلدون النقيب، المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية)

ثانياً: التحديث بلا حرية نموذج مسبوق بالفشل. جرّبت المنطقة هذا النموذج من قبل؛ في مصر الناصرية، وسوريا والعراق في ظل البعث، حيث قادت الدولة التحديث بيد حديدية. والنتيجة معروفة: تحديث هش انهار حين اهتزت السلطة. فما الذي يجعل النسخة الخليجية مختلفة جوهرياً؟ (جورج طرابيشي، نقد نقد العقل العربي)

ثالثاً: الذكاء الاصطناعي يعمّق الفجوة ولا يغلقها. الثورة التكنولوجية ليست فرصة متساوية للجميع. الدول التي تمتلك البنية العلمية والبحثية والحرية الفكرية ستقود هذه الثورة، أما التي تستورد التكنولوجيا وتستهلكها فستجد نفسها في تبعية أعمق مما كانت عليه. والعالم العربي حتى الآن مستهلك للذكاء الاصطناعي لا منتج له. (عزمي بشارة، الحداثة والنهضة العربية)

رابعاً: الأزمة الديموغرافية والاجتماعية لم تُحَل. نصف سكان العالم العربي تقريباً دون سن الثلاثين، وملايين الشباب يرزحون تحت وطأة البطالة والإحباط في مصر والجزائر والمغرب والعراق. نهضة لا تشمل هؤلاء ليست نهضة. (جلال أمين، ماذا حدث للمصريين؟)

خامساً: الموروث الفكري والديني عائق بنيوي. يرى المشككون أن ثمة منظومة من المحرمات الفكرية والدينية والاجتماعية تحول دون نقاش قضايا جوهرية بحرية حقيقية، مما يُبقي العقل العربي في حالة انسداد مزمن. (محمد أركون، مفهوم الانسداد الفكري)

هذه الاعتراضات جدية ولا يمكن تجاهلها، لكنها تغفل تحولاً حقيقياً طرأ على البيئة العربية. فالعولمة والانفتاح أنتجا جيلاً أكثر استعداداً للتغيير، أكثر تقبلاً للتكنولوجيا، وأوسع تعاملاً مع قيم الحوكمة والحرية والمساءلة — وهو ما لم يكن متاحاً بهذا الشكل في القرن الماضي. وإن توفرت الإرادة السياسية، ولا سيما دور محوري من الدول الأكثر استقراراً وثروة في دفع مسيرة النهضة، فإن الظرف الراهن هو الأكثر ملاءمة في التاريخ العربي الحديث لمحاولة نهضة جدية وحقيقية.

ومع ذلك فان نجاح اي نهضة حقيقية ، يجب ان تقوم على بناء الإنسان والمؤسسات وإطلاق طاقات المجتمع. لذلك يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع العالم العربي إنتاج المعرفة فعلًا، أم سيبقى مستهلكاً لها؟ وهل يمكن بناء مشروع حضاري حديث من دون حرية فكر، ومعتقد، ورأي، وتعليم متطور، ومؤسسات قوية، و قضاء مستقل ، و مشاركة مجتمعية ، حقيقية ،و مساءلة، و مراقبة ،و محاسبة .

كما أن نجاح أي نهضة عربية مستقبلية سيظل مرتبطاً بقدرة الدول العربية على تجاوز الانقسامات والصراعات الضيقة، والانتقال من منطق التنافس السلبي إلى منطق التكامل والتعاون، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم والأمن الغذائي والطاقة.و على تجاوز مسببات فشل النهضة الاولى .

فالسؤال الحقيقي اليوم لم يعد ما إذا كان العرب قادرين على استعادة أمجاد الماضي، بل ما إذا كانوا قادرين على إنتاج نموذج حضاري جديد في عصر العولمة و التحولات التاريخية ، يشارك في صناعة المستقبل الإنساني و الاقتصاد العالمي ، بدل الاكتفاء بمراقبتهم من بعيد ، و المحاولات المتعثرة للحاق بهما .