الأقسام
حجم الخط:

حتى لا تملأ خرائط نتنياهو الفراغ العربي

حتى لا تملأ خرائط نتنياهو الفراغ العربي

حتى لا تملأ خرائط نتنياهو الفراغ العربي

قراءة في التحولات الكبرى بعد السابع من أكتوبر

شهدت المنطقة العربية، بعد السابع من أكتوبر، تحولات كبرى أعادت صياغة طبيعةً الصراع في الشرق الأوسط، بعدما انتقلت المواجهة من إطار الحروب المحدودة وحروب الوكالة إلى مرحلة الحرب الإقليمية المفتوحة، التي امتدت من غزة إلى جنوب لبنان، وصولاً إلى الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية المباشرة على إيران. وقد شكلت عملية ٧ اكتوبر ٢٠٢٣ ، نقطة تحول تاريخية ، إذ اعتبرها العدو الإسرائيلي حرباً وجودية هددت الكيان للمرة الأولى منذ تأسيسه، ، الأمر الذي دفعه، بدعم أميركي وغربي واسع، إلى الرد بقوة ، و مازالت مفاعيل هذا الرد وتداعياته مستمرة حتى يومنا هذا .

ولم تعد المواجهة في المنطقة ، تقتصر فقط على البعد العسكري، بل امتدت إلى الصراع على الممرات البحرية الاستراتيجية والطاقة والتجارة العالمية.

وفي المقابل، تبدو المنطقة العربية أمام واحدة من أكثر مراحلها هشاشة وتفككاً، في ظل غياب مشروع عربي جامع، قادر على مواجهة التحولات الجارية. فحالة الانقسام السياسي والطائفي، وتصاعد التطرف والتعصب، والشرخ العميق بين السلطة والمجتمع، إضافة إلى فشل مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والفساد، كلها عوامل ساهمت في إضعاف البنية الداخلية للدول العربية واستنزاف قدرتها على المواجهة.

وقد ازداد هذا الواقع تعقيداً مع ما تعرضت له دول عربية مركزية، كسوريا والعراق وليبيا، من تفكك وإضعاف خلال السنوات الماضية، الأمر الذي فتح المجال أمام تصاعد التدخلات الدولية والإقليمية والصراع على الثروات والموارد وممرات النفوذ. وفي ظل هذا المشهد، يسعى العدو الاسرائيلي إلى تكريس ما يمكن تسميته بـ”العصر الإسرائيلي”، مستفيداً من فائض القوة العسكري والتكنولوجي والدعم الغربي والانقسام العربي، بهدف فرض واقع سياسي وأمني واقتصادي وثقافي جديد على المنطقة بأكملها.

في هذه المرحلة الدقيقة ،يسعى العدو الإسرائيلي إلى تحقيق الأمور التالية:

١- العمل على إنشاء محور إقليمي من الدول التي ترى الواقع من منظور واحد في مواجهة ما يسمى بمحاور “التطرف”، وفق توصيف نتنياهو، بحيث يقوم هذا المحور على تكريس الاعتراف بإسرائيل وتعزيز مسار التطبيع السياسي والأمني والاقتصادي. وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل إلى ترسيخ نفسها كدولة إقليمية مهيمنة تتفوق على جيرانها العرب عسكرياً وتكنولوجياً ، بما يسمح لها بفرض معادلات أمنية وسياسية جديدة في المنطقة. وقد تجلّى هذا التصور بوضوح في خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة عندما عرض خريطتي “النعمة” و”النقمة”، حيث قدّم إسرائيل بوصفها مركزاً لممرات التجارة والطاقة والازدهار الاقتصادي الممتدة من آسيا إلى أوروبا عبر المنطقة العربية، في مقابل تصوير محور “الممانعة” باعتباره فضاءً للحروب والفوضى والتراجع التنموي. وبذلك تحاول إسرائيل ملء الفراغ الاستراتيجي العربي وفرض نفسها بوصفها القوة القائدة للنظام الإقليمي الجديد.

٢- استثمار تفوقه العسكري والتكنولوجي وعلاقاته الدولية لتعزيز موقعه الإقليمي، من خلال التعاون الأمني مع بعض الدول بهدف منع قيام أي تهديدات استراتيجية على حدوده، وخاصة حدوده الشمالية .

٣- تحقيق اختراق على الصعيد الثقافي والتربوي بهدف مسح القضية الفلسطينية من الذاكرة العربية، وترسيخ مفاهيم جديدة تجعل إسرائيل دولة صديقة ومحبة للسلام، وتبرئتها من المجازر التي ارتكبت بحق الفلسطينيين والعرب منذ عام ١٩٤٨ وحتى اليوم، وتكريس روايات جديدة للتاريخ.

٤- تحقيق حد أدنى من الاستقرار الأمني عبر إنهاء حركات المقاومة من جهة ، وبشكل خاص المقاومة الفلسطينية، ومن جهة اخرى الحفاظ على الحدود الجغرافية القائمة للدول المجاورة ، ولكن مع إضعافها إلى الحد الأقصى ، لأن تفتيتها بصورة واسعة قد يؤدي إلى تصاعد النزاعات والفوضى بما يسمح للعديد من الجهات المتشددة بعرقلة التطبيع و الاستقرار و اعادة احياء نهج المقاومة بتشكيلاتها و عقائدها المختلفة .

في الوقت عينه، يواجه المجتمع الإسرائيلي تحديات داخلية تعد من نقاط الضعف المؤثرة في مسار الصراع القائم، ويمكن للدول العربية، متى توفرت لديها الإمكانات والرؤى الاستراتيجية الفاعلة، أن توظف هذه المعطيات لتحسين شروط المواجهة وإعادة التوازن في موازين القوى، وتبرز ملامح هذه الهشاشة في عدد من الجوانب أبرزها:

أولاً: التحديات الديموغرافية:

١- التوازن العددي بين العرب واليهود، حيث يشهد الواقع السكاني تقارباً ملحوظاً في الأعداد بين الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية وقطاع غزة من جهة، واليهود من جهة أخرى، خاصة في حال عدم الاعتراف بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وتشير الاتجاهات الديموغرافية إلى احتمال ميل الكفة مستقبلاً لصالح العرب نتيجة ارتفاع معدلات النمو السكاني لديهم، وقد بلغت هذه النسب الان حوالي ٧٦٪؜ من اليهود و ٢٢٪؜ من العرب و الباقي غير مصنف في اراضي الـ ٤٨ اما إذا شملنا الضفة الغربية وقطاع غزة فتصبح النسبة ٥٣٪؜ لصالح السكان الفلسطينيين مقابل ٤٧ ٪؜ لصالح اليهود ، ما يضع الدولة أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على طابعها الديمقراطي أو تكريس سياسات تمييزية للحفاظ على هويتها القومية، ويعد “قانون القومية” مؤشراً على هذه الاتجاهات.

٢- تنامي مجتمع “الحريديم”، المتشدد ، الذي يتميز بخصوصية اجتماعية وفكرية تتعلق بقضايا العمل والخدمة العسكرية وأنماط الحياة المحافظة، ما يفاقم التحديات الاجتماعية ويزيد من تعقيد عملية الاندماج المجتمعي.

٣- الهجرة والهجرة المعاكسة، حيث تتأثر معدلات الهجرة بعوامل أمنية واقتصادية، ويسهم استمرار التوترات والصراع في الحد من استقطاب مهاجرين جدد، مقابل تزايد أعداد المغادرين، ولا سيما من فئة الشباب، بما يترك آثاراً بعيدة المدى على البنية السكانية وسوق العمل.و بحسب البيانات الرسمية فان اسرائيل للمرة الاولى منذ نشاتها تشهد معدلات صافي هجرة سلبية وصلت ما بين العام ٢٠٢٠ و العام ٢٠٢٤ إلى حوالي ١٤٦ الف مهاجر غادروا الكيان .

ثانياً: الانقسام المجتمعي:

يبرز انقسام واضح بين التيارات الدينية والعلمانية داخل المجتمع الإسرائيلي حول طبيعة وهوية الدولة، وهل هي دولة مدنية ديمقراطية أم دولة ذات طابع ديني محافظ، ما يؤدي إلى توترات سياسية واجتماعية تنعكس على الاستقرار وآليات صنع القرار. هنا نشير إلى ان عدد نواب الاحزاب الدينية المتطرفة شهد نموا كبيراً في الانتخابات الأخيرة حيث ارتفع من ١٠ نواب إلى ٣٢ نائبًا . اما مجتمع الحريديم المتشدد فقد وصل عددهم إلى ١٤،٣ ٪؜ من عدد سكان إسرئيل ، مع نسبة نمو عالية تصل إلى ٤،٣ ٪؜ سنوياً و يتوقع ان يصل عددهم في العام ٢٠٣٣ إلى نحو ٤١.٢ ٪؜ من السكان اليهود .

وبذلك تتداخل العوامل الديموغرافية والاجتماعية والسياسية لتشكل تحدياً داخلياً مركباً ينعكس على المشهد العام للصراع.

في المقابل، تعيش الدول العربية أصعب مراحلها، حيث تبرز مجموعة من المؤشرات التي تدل على استمرار حالة الضعف العربي.

أولاً: غياب المشروع القومي العربي:

لم يعد هناك مشروع جامع يعبر عن رؤية استراتيجية موحدة للعالم العربي كما كان الحال في مراحل سابقة من القرن العشرين، إذ تراجع الخطاب القومي لحساب الهويات الفرعية والمصالح القطرية الضيقة، ما أفقد المنطقة قدرتها على صياغة موقف موحد تجاه القضايا المصيرية، وخاصة القضية الفلسطينية التي كانت عنصراً جامعاً و مصدراً للتعبئة السياسية .

ثانياً: الانقسامات العربية العميقة:

الخلافات السياسية والأيديولوجية بين الدول العربية، إلى جانب الصراعات الداخلية، جعلت التنسيق الإقليمي هشاً، وهو ما يسمح لإسرائيل بالتحكم أكثر في مفاصل المنطقة، خاصة مع توسع نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

ثالثاً: ضعف الدول العربية المركزية:

تعرضت دول كانت تعد من ركائز التوازن، مثل سوريا والعراق وليبيا، لهزات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة انعكست على قدرتها على لعب أدوار قيادية أو موازنة النفوذ الإقليمي.

رابعاً: قابلية إثارة الفتن المذهبية والعرقية:

أظهرت تجارب السنوات الأخيرة أن التعدد المذهبي والعرقي في المنطقة يمكن أن يتحول إلى مصدر صراع إذا أسيء التعامل معه، الأمر الذي يتطلب فكراً توحيدياً علمياً وعلمانياً يجعل من الديمقراطية والمساواة والعدالة أساساً لبناء الدولة والمجتمع، لأن أي فشل في ذلك قد يفتح الباب أمام مزيد من التفكك والعنف.

خامساً: غياب القيادات الجامعة:

تفتقر الساحة العربية إلى شخصيات أو نخب سياسية قادرة على توحيد الشارع العربي حول مشروع واضح، ما يعمق حالة التشتت ويضعف القدرة على صياغة رد استراتيجي جماعي.

سادساً : الموقف الدولي تجاه الصراع العربي الإسرائيلي:

الموقف الدولي تجاه القضية الفلسطينية ليس محايداً، بل يميل بشكل كبير لصالح إسرائيل، وخاصة الموقف الأميركي الذي استمر في تقديم الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي لها، إلى جانب الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على الدول العربية بما يصب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مصلحتها .

سابعاً : التطورات على الساحة الإيرانية:

إن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، وما خلّفته من غموض حول مضيق هرمز وحرية الملاحة عبره، ستكون لها تداعيات مستقبلية بالغة الأثر على دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج التي تعتمد على هذا المضيق شرياناً حيوياً لا بديل عنه. وكلما تعمق هذا الغموض وطال أمده، ازداد المجال أمام إسرائيل لتحقيق اختراقات سياسية واقتصادية وأمنية تعزز نفوذها في المنطقة.

إن توصيف المرحلة الراهنة بـ”العصر الإسرائيلي” قد يكون تعبيراً سياسياً عن الخلل في موازين القوى، لكنه في الوقت ذاته يجب أن يكون حافزاً إلى مراجعة عميقة لنقاط الضعف والعمل على تحييدها، سواء على المستوى السياسي أو الثقافي أو الفكري أو التربوي أو الاقتصادي.

في المحصلة ، إن الاستقرار الذي تسعى إسرائيل لفرضه عبر اتفاقيات الهيمنة والتطبيع سيظل استقراراً هشاً ما لم يعالج جذور الصراع وحقوق الشعب الفلسطيني . فالقوة العسكرية والتفوق التكنولوجي قد يكسبان المعارك، لكنهما لا يصنعان سلاماً مستداماً في بيئة ترفض الخضوع والتبعية. لذلك فإن المخرج الوحيد من هذا النفق يبدأ بإعادة بناء التوازنات الإقليمية على قاعدة المبادرة العربية للسلام التي أطلقها الملك عبد الله في قمة بيروت عام 2002 تحت عنوان "الارض مقابل السلام العادل " مع العمل على اعادة تعزيز التضامن بين الدول العربية .فالانقسامات و الضعف العربي ليس قدراً محتوماِ بل يتطلب توفر الارادة السياسية لتجاوزه وألا سيظل نتنياهو يرسم خرائطه كما يشاء.