في السنوات الأخيرة، لم يعد الإعلام مجرّد وسيلة لنقل الخبر أو الترفيه، بل تحوّل إلى أداة فاعلة في إعادة تشكيل الوعي الجماعي، خصوصًا لدى فئة الشباب. برامج “التوك شو” التي تُعرض على قنوات واسعة الانتشار، مثل البرامج التي يقدّمها الإعلامي جو معلوف عبر شاشة MTV Lebanon، باتت تلعب دورًا يتجاوز النقد الاجتماعي، لتلامس أحيانًا قضايا سياسية وثقافية حساسة.
لكن الإشكالية لا تكمن فقط في مضمون الحلقات، بل في المنظومة التي تقف خلف الإنتاج الإعلامي، من تمويل ورعاية وتوجهات. وهنا يبرز اسم أنطون الصحناوي، كأحد أبرز الوجوه الاقتصادية المؤثرة في المشهد الإعلامي اللبناني، ما يفتح باب التساؤل حول العلاقة بين رأس المال والمحتوى.
التطبيع الناعم: حين تتسلل الأفكار دون إعلان
لم يعد “التطبيع” يُطرح بالضرورة عبر مواقف سياسية مباشرة، بل بات يظهر بشكل أكثر نعومة وخطورة، من خلال:
إعادة تعريف “العدو” بطريقة مبطّنة
طرح قضايا الاحتلال كملفات “خلاف سياسي” بدل كونها قضية حقوق
استضافة شخصيات أو تمرير خطابات تُخفف من حدّة الصراع
التركيز على قضايا داخلية لإضعاف الاهتمام بالقضايا الكبرى
هذا النوع من الخطاب لا يفرض نفسه على المشاهد، بل يتسلل تدريجيًا، ما يجعله أكثر تأثيرًا، خصوصًا على جيل يتلقى معلوماته بشكل سريع ومجزّأ.
من يملك الشاشة… يملك السردية
الإعلام ليس محايدًا بالكامل، وهذه حقيقة معروفة في كل دول العالم. التمويل يفرض، بشكل مباشر أو غير مباشر، خطوطًا حمراء وخيارات تحريرية. وعندما يكون المموّل صاحب مواقف سياسية أو اقتصادية مثيرة للجدل، يصبح من المشروع طرح السؤال:
هل ما يُعرض هو انعكاس للواقع… أم إعادة صياغة له؟
الجيل الجديد بين التأثير والوعي
الجيل الجديد بين التأثير والوعي
الخطر الأكبر لا يكمن في وجود خطاب معيّن، بل في تلقيه دون مساءلة. فالشباب اليوم يستهلكون الإعلام عبر مقاطع قصيرة، عناوين جذابة، وسرديات سريعة، ما يقلل من فرص التحليل العميق.
لكن في المقابل، هذا الجيل نفسه يمتلك أدوات لم تكن متاحة سابقًا:
الوصول إلى مصادر متعددة
القدرة على المقارنة والتحقق
منصات بديلة للتعبير
الخلاصة
المشكلة ليست في برنامج واحد أو شخص واحد، بل في اتجاه إعلامي عام قد يساهم، بقصد أو بدون قصد، في إعادة تشكيل الأولويات والعداوات في وعي الجمهور.
المواجهة لا تكون بالمنع أو الاتهام، بل بـ:
رفع مستوى الوعي النقدي
دعم إعلام بديل مستقل
مساءلة المحتوى بدل استهلاكه بشكل أعمى