الأقسام
حجم الخط:

إسرائيل الكبرى: حين يتحوّل التفاوض إلى جزء من المعركة

إسرائيل الكبرى: حين يتحوّل التفاوض إلى جزء من المعركة

إسرائيل الكبرى: حين يتحوّل التفاوض إلى جزء من المعركة

بقلم الدكتور خلدون الشريف

ليست المشكلة فقط فيما تقوله إسرائيل، بل فيما تبنيه بصمت وثبات. اذ يكتب دانيال لايفي Daniel Levy—الدبلوماسي الإسرائيلي-البريطاني السابق، وأحد المساهمين في مسار أوسلو—في صحيفة الغارديان البريطانية The Guardian (13 نيسان 2026) جملة تختصر المشهد: ترامب لا يمتلك خطة اما نتنياهو فبلا.

“Donald Trump doesn’t have a plan. Benjamin Netanyahu does.”

هذه “الخطة” لا تختصر في الحرب على إيران، ولا في غزة أو لبنان، بل في مفهوم أوسع: “إسرائيل الكبرى”. لكن، كما يوضح ليفي، الخطأ هو اختزال هذا المفهوم بوصفه جغرافيًا فقط، إذ “should be seen as a geopolitical and strategic concept as much as a territorial one.” يجب ان ينظر اليه كمفهوم استراتيجي وجيوسياسي بقدر ما هو مفهوم سيطرة جغرافية.

من التوسّع إلى هندسة الهيمنة

ما يظهر على الأرض—في غزة، والضفة الغربية، وسوريا، وجنوب لبنان—هو وجه من المشروع، لا كلّه. الهدف الأعمق هو إعادة تشكيل النظام الإقليمي بحيث تصبح إسرائيل “القوة المهيمنة” أو “dominant regional power”.

في هذا الإطار، لا تعود السيطرة على الأرض غاية بحد ذاتها، بل أداة لفرض نمط جديد من العلاقات. فالمطلوب، كما يرد في تحليل ليفي، هو بلوغ “operational control even in areas far from Israel’s borders”، أي قدرة على التحكم بالبيئة الإقليمية حتى من دون احتلال مباشر.

هذه ليست سياسة توسّع تقليدية، بل محاولة لإنتاج نظام إقليمي تُعاد صياغته وفق ميزان تفوّق دائم.

الحرب كوسيلة لإعادة ترتيب الإقليم

تندرج المواجهة مع إيران ضمن هذا المسار. الهدف ليس فقط ردعها، بل إسقاط دورها كقوة موازنة، تمهيدًا لإعادة توزيع الأدوار في المنطقة. وفي هذه العملية، تتحول أزمات الطاقة والممرات البحرية والضربات المتبادلة إلى أدوات ضغط لإعادة تشكيل التوازنات.

بهذا المعنى، لا تكون تداعيات الحرب مجرد نتائج جانبية، بل جزءًا من معادلة أوسع تُعاد فيها صياغة الإقليم.

لبنان: ساحة اختبار لا تفصيل هامشي

في هذا السياق، لا يمكن فصل لبنان عن هذه الرؤية. ما يجري فيه ليس حدثًا معزولًا، بل جزء من مشهد أوسع تُختبر فيه حدود القوة وحدود السياسة معًا.

أيّ خلافٍ مع حزب الله—حول حروب الإسناد، ووجود السلاح، ومفهوم السيادة الوطنية—لا ينبغي أن يتحوّل إلى مدخلٍ للقبول بسلامٍ كيفما اتّفق مع كيانٍ يواصل القتل والاعتداء بلا محاسبة. التفاوض في حدّ ذاته مسارٌ طبيعي، أمّا الامتناع عنه فاستثناء؛ لكنّه لا يكون مشروعًا إلا إذا انضبط بضوابط واضحة، ولم يأتِ على حساب وحدة النسيج الوطني ضمن حدوده المقبولة.

إطار التفاوض قبل مضمونه

يدخل لبنان إلى أي مسار تفاوضي من موقع دقيق: ليس في موقع المنتصر الذي يفرض، ولا في موقع المنهزم الذي يوقّع—بل في موقع من يُجبر على إدارة الخسارة ومنع الأسوأ. من هنا، تصبح الأولوية في ضبط إطار التفاوض نفسه.

الرعاية الدولية—خصوصًا الأميركية—ليست تفصيلًا، بل عنصر توازن مطلوب في مواجهة اختلال موازين القوى، شرط أن تتحول إلى ضمانات تنفيذية لا إلى مظلة شكلية. فالتجربة اللبنانية تُظهر أن النصوص بلا آليات تنفيذ تتحول سريعًا إلى أوراق بلا قيمة.

لذلك، فإن أي تفاوض جدّي يجب أن يفضي إلى التزامات واضحة، مقرونة بآليات رقابة وضغط، تمنع إعادة إنتاج الحلقة نفسها: اتفاق يُوقّع، ثم يُخرق، ثم يُعاد التفاوض عليه من موقع أضعف. وفي الوقت نفسه، لا يقلّ ضبط إيقاع التفاوض أهمية عن مضمونه. فإسرائيل تفاوض ببطء، وتتحرك ميدانيًا بسرعة. وإذا لم يُضبط هذا الإيقاع، يتحول الزمن إلى أداة لفرض وقائع جديدة.

السيادة كمعيار

في العمق، المسألة سيادية بامتياز. اختيار التفاوض—كما اختيار الامتناع عنه—قرار يجب أن يُبنى على رؤية وطنية جامعة، لا على انقسامات داخلية أو رهانات خارجية. يمكن الاختلاف حول السلاح، لكن لا يمكن تحويل هذا الاختلاف إلى شرخ يهدد فكرة الدولة نفسها.

وهنا تحديدًا، يلتقي التحليل الذي يقدمه ليفي مع التحدي اللبناني: مشروع “إسرائيل الكبرى” لا يُواجه فقط بالميدان، بل أيضًا بكيفية إدارة السياسة والتفاوض والاختلاف الداخلي.

التفاوض بين إدارة الأزمة وتكريسها

“إسرائيل الكبرى” ليست شعارًا، بل مسار يتقدم على أكثر من جبهة. والخطر لا يكمن فقط في ما يُفرض بالقوة، بل في ما قد يُمرَّر عبر التفاوض نفسه.

التفاوض ليس المشكلة—بل شروطه وسياقه. فإذا انضبط بضوابط واضحة—رعاية فاعلة، ضمانات تنفيذ، سقوف زمنية، وحماية للثوابت الوطنية—يمكن أن يكون أداة لإدارة الأزمة. أمّا إذا تُرك بلا ضوابط، فقد يتحول إلى مسارٍ يُعيد إنتاج الضعف، ويمنح إسرائيل ما عجزت عن فرضه بالحرب.

في النهاية، المعركة ليست فقط على طاولة التفاوض…

بل على تعريف ما الذي يُمكن التفاوض عليه—وما الذي لا يُسمح أصلًا أن يُطرح على الطاولة.