الأقسام
حجم الخط:

العفو العام بين العدالة والتسييس

العفو العام بين العدالة والتسييس

عاد ملف العفو العام إلى واجهة النقاش السياسي في لبنان، وسط انقسام حاد داخل مجلس النواب حول صيغته وحدوده، ولا سيما فيما يتعلق بشمول فئات واسعة من الموقوفين الذين لم تُحسم ملفاتهم بعد. وبين من يرى في العفو خطوة إصلاحية ضرورية، ومن يحذّر من تحوّله إلى تسوية سياسية أو أداة انتقائية، يتقدّم الملف كواحد من أكثر القضايا حساسية، نظراً لتداخل أبعاده القانونية والحقوقية مع الاعتبارات السياسية والأمنية.

خلاف داخل البرلمان

النقاش النيابي الحالي يتمحور حول مفهوم العفو: هل يكون شاملاً أم محدوداً؟ تشير الطروحات المتداولة إلى اتجاه لاستثناء بعض الجرائم من العفو، ما يثير اعتراضات من كتل نيابية تعتبر أن أي قانون لا يقوم على معايير موحّدة سيؤدي إلى تكريس الانتقائية في العدالة. في المقابل، تتمسك أطراف أخرى بضرورة وضع ضوابط صارمة، معتبرة أن بعض الملفات لا يمكن مقاربتها ضمن إطار العفو، لما لها من انعكاسات على أمن المجتمع.

مولود: العفو ليس صفقة بل مسار عدالة

في هذا السياق، أكد المهندس يحيى مولود لموقع وطن بلس أن مقاربة العفو العام يجب أن تكون وطنية شاملة، لا سياسية ظرفية. ويقول إن “طرح العفو العام لا يجوز أن يُقارَب كصفقة سياسية أو أداة شعبوية، بل كملف وطني وإنساني وقانوني يحتاج إلى عدالة وجرأة ومسؤولية”. ويضيف أن العفو يمكن أن يكون “خطوة إصلاحية ضرورية إذا جاء ضمن رؤية واضحة لتصحيح خلل مزمن في العدالة”، محذّراً من تحوّله إلى “خطر إذا استُخدم كوسيلة انتقائية لإرضاء فئة دون أخرى”. ويشدد على أن “المعيار يجب أن يكون واحداً على الجميع، مع رفض العفو عن الجرائم الكبرى، مقابل معالجة جدية لأوضاع الموقوفين الذين لم تصدر بحقهم أحكام أو طالت مدة توقيفهم”، داعياً إلى اعتماد معايير شفافة ولجنة قضائية مستقلة.

القوات: ضرورة إنهاء مرحلة سابقة

من جهتها، عبرت القوات اللبنانية عبر موقع وطن بلس، ممثلة بالنائب الدكتور فادي كرم، أن العفو العام يشكّل محطة إصلاحية أساسية. ويشير إلى أنه “ختم لمرحلة سيئة ورثها لبنان من الدولة الامنية التي زرعها النظام السوري البائد وحلفاءه في لبنان ، ولا يجب أن يتحول إلى تسوية سياسية”، مؤكداً أن المقاربة يجب أن تكون قائمة على “إحقاق العدل وإنهاء المظلومية”. ويشدد على ضرورة الابتعاد عن الطرح الطائفي، معتبراً أن “النقاش يجب أن يكون جامعاً لا انقسامياً”، مرجحاً إقرار القانون قريباً رغم احتمال وجود بعض الثغرات. كما يدعو إلى أن تترافق هذه الخطوة مع “تعزيز استقلالية القضاء ومنع أي تدخلات فيه”.

مقاربة قانونية: التوقيف الطويل أزمة بحد ذاته

بدوره، لفت المحامي مصطفى العويك عبر موقع وطن بلس إلى أن جوهر المشكلة يتجاوز مسألة العفو، ليطال بنية النظام القضائي نفسه. ويوضح أن “التوقيف الاحتياطي هو إجراء استثنائي يُفترض أن يكون محدوداً زمنياً”، مشيراً إلى أن تحوله إلى توقيف طويل لسنوات يعد انتهاكاً للحرية الشخصية التي يكفلها الدستور. ويرى أن هذا الواقع ناتج عن “بطء الإجراءات القضائية وتأخر المحاكمات”، ما يؤدي إلى بقاء موقوفين لسنوات من دون أحكام. ويعتبر أن الحل لا يكمن فقط في العفو، بل في “تسريع المحاكمات، وإعادة النظر بالأحكام، وتفعيل إخلاءات السبيل”، وهي خطوات كفيلة بمعالجة عدد كبير من الملفات وتخفيف الاكتظاظ في السجون.

الشارع يغلي… ومخاوف من اتساع الفجوة

بالتوازي مع النقاش السياسي، يتصاعد منسوب التوتر في الشارع، حيث تشهد بعض المناطق، لا سيما في الشمال، حالة احتقان متزايدة على خلفية هذا الملف. وتعبر أوساط شعبية عن شعور متنامٍ بالغبن، معتبرة أن هذا الملف يُعاد طرحه في كل مرة من دون الوصول إلى حل شامل، وأن التعقيدات تظهر تحديداً عند مقاربة قضايا تمس بيئات معينة. ويذهب بعض الناشطين إلى أبعد من ذلك، بالحديث عن إحساس متزايد لدى شريحة من الشارع السني بأن هذا الملف يُواجه دائماً بعراقيل إضافية، ما يعزز شعوراً بالمظلومية وبأن المقاربة لا تتم على قاعدة واحدة بين جميع اللبنانيين. في المقابل، تحذر أوساط سياسية من خطورة انزلاق هذا النقاش نحو خطاب طائفي، داعية إلى إبقائه ضمن إطاره القانوني والوطني، تفادياً لتعميق الانقسامات الداخلية.

ملف الموقوفين السوريين: تسويات قائمة.

في موازاة ذلك، يُعاد طرح ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، حيث سبق أن شهد هذا الملف تفاهمات بين بيروت ودمشق، أفضت في مراحل سابقة إلى تسليم عدد من الموقوفين إلى السلطات السورية، ويُستخدم هذا النموذج في النقاش الداخلي كمثال على إمكانية إيجاد مقاربات مختلفة لمعالجة ملفات الموقوفين، ما يطرح تساؤلات حول أسباب تعثّر إيجاد حلول مماثلة لملفات أخرى عالقة منذ سنوات.

المحصلة

يتقدم ملف العفو العام كواحد من أكثر الاستحقاقات حساسية في لبنان، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع الواقعين السياسي والاجتماعي. وبين الحاجة إلى معالجة أوضاع إنسانية عالقة منذ سنوات، والحرص على الحفاظ على الاستقرار وتطبيق القانون، يبقى التحدي في الوصول إلى مقاربة متوازنة تراعي مختلف الهواجس. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو الأنظار متجهة إلى ما ستؤول إليه النقاشات النيابية، وما إذا كانت ستنجح في إنتاج صيغة تحقق الحد الأدنى من التوافق وتخفف من حدة الاحتقان القائم.