الأقسام
حجم الخط:

أميركا تعيد تعريف الإرهاب… وتعيد تعريف العالم

أميركا تعيد تعريف الإرهاب… وتعيد تعريف العالم

بقلم الدكتور خلدون الشريف

لم تعد أميركا تسأل فقط: من هو الإرهابي؟

بل بدأت تسأل أيضًا: من هو الأميركي الحقيقي، وما هو العالم الذي يستحق البقاء؟

لهذا، لا تبدو استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية الجديدة مجرد وثيقة أمنية أعدّتها إدارة دونالد ترامب لملاحقة تنظيمات مسلّحة أو حماية الحدود الأميركية، بل أقرب إلى بيان سياسي وأيديولوجي عن عالم ما بعد الليبرالية الأميركية، وعن طبيعة الأعداء الذين ترى واشنطن الجديدة أنهم يهددونها في الداخل والخارج معًا.

فما صدر عن البيت الأبيض في أيار/مايو 2026 ليس فقط استراتيجية لمكافحة الإرهاب، بل وثيقة تعكس انتقال الولايات المتحدة من مرحلة “قيادة النظام الدولي الليبرالي” إلى مرحلة أكثر قومية وصدامية، تُعاد فيها صياغة مفاهيم الأمن والسيادة والهوية، ويتوسع فيها تعريف العدو ليشمل الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والحروب الثقافية الداخلية، إلى جانب الخصوم التقليديين كإيران والتنظيمات الجهادية.

فالوثيقة لا تعيد تعريف “الإرهاب” فحسب، بل تعيد رسم الحدود الفاصلة بين الأمن والهجرة، بين الجريمة المنظمة والسياسة، بين الخصوم الخارجيين والانقسامات الداخلية، وبين الدولة القومية والنظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة نفسها لعقود طويلة.

من الحرب على الإرهاب إلى الحرب على الفوضى

بعد ربع قرن تقريبًا على هجمات 11 أيلول، تبدو “الحرب على الإرهاب” كما عرفها العالم وكأنها انتهت. لم تعد الأولوية احتلال دول بعيدة أو إعادة بناء أنظمة سياسية تحت عنوان نشر الديمقراطية. فمرحلة جورج بوش الابن قامت على الحروب المفتوحة وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بينما حاول باراك أوباما تقليص الانخراط العسكري المباشر وإدارة الانسحاب التدريجي من الحروب الطويلة، قبل أن تأتي إدارة جو بايدن لتتبنى مقاربة تقوم على إدارة الأزمات والتحالفات الدولية واحتواء الخصوم.

أما استراتيجية ترامب الجديدة فتعلن عمليًا الانتقال إلى عقيدة مختلفة بالكامل: حماية الداخل الأميركي بالقوة، والضربات الخاطفة، والحروب السيبرانية، والعقوبات، والعمليات الخاصة، وتوسيع مفهوم العدو إلى أقصى حد ممكن.

الأهم أن الوثيقة تكشف تحوّلًا عميقًا في العقل الأميركي نفسه. فالإرهاب، وفق الرؤية الجديدة، لم يعد يقتصر على تنظيمات جهادية تقليدية كـ«القاعدة» و«داعش»، بل بات يشمل الكارتيلات العابرة للحدود، والعصابات المسلحة، وبعض الحركات اليسارية الراديكالية، وحتى ما تسميه الوثيقة “التطرف الترانسجندري”، في توصيف يستخدمه المحافظون الأميركيون لوصف تيارات يعتبرون أنها تدفع قضايا الهوية الجندرية إلى مستويات راديكالية تُحدث صدامًا ثقافيًا داخل المجتمع الأميركي.

هنا تحديدًا يصبح الإرهاب تعريفًا سياسيًا وثقافيًا وحضاريًا بقدر ما هو تعريف أمني.

في هذا السياق، يبدو لافتًا أن الاستراتيجية تضع الكارتيلات والمخدرات والهجرة غير الشرعية في صلب العقيدة الأمنية الأميركية الجديدة. فحدود الولايات المتحدة الجنوبية تتحول، في النص، إلى جبهة حرب فعلية. والمخدرات، خصوصًا الفنتانيل، تُعامل بوصفها “سلاح دمار شامل” يهدد المجتمع الأميركي. أما الكارتيلات، فتصبح تنظيمات إرهابية تستدعي استخدام الجيش، والعمليات الخاصة، والضربات العابرة للحدود، والعقوبات الاقتصادية، وصولًا إلى إعادة إحياء “مبدأ مونرو”، العقيدة الأميركية التي تعتبر الأميركيتين مجال نفوذ مباشر لواشنطن وترفض تدخل القوى الخارجية فيهما.

بهذا المعنى، تنقل واشنطن مركز ثقل التهديد من الشرق الأوسط إلى “الداخل الموسّع” للولايات المتحدة: الحدود، أميركا اللاتينية، البحر الكاريبي، وشبكات التهريب والهجرة. لكنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن الشرق الأوسط، بل تعيد مقاربته ضمن منطق أكثر صدامية وحدّة.

إيران والإخوان… وتوسيع مفهوم العدو

فالوثيقة تعتبر إيران “الخطر الأكبر” في المنطقة، ليس فقط بسبب برنامجها النووي والصاروخي، بل لأنها، وفق النص، تقود شبكة عالمية من الوكلاء والتنظيمات العابرة للحدود. ويأتي حزب الله في قلب هذه المقاربة باعتباره الذراع الأكثر تطورًا لطهران، فيما تذهب الاستراتيجية أبعد من ذلك عبر اعتبار جماعة “الإخوان المسلمين” الجذر الفكري والتنظيمي لمعظم الحركات الإسلامية الحديثة.

هنا تظهر نقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى لبنان والمنطقة. فالوثيقة لا تتعامل مع “الإخوان” بوصفهم تيارًا سياسيًا متشعبًا ومتناقض التجارب، بل كمنظومة عالمية متصلة بالإرهاب المعاصر. والأخطر أنها تشير صراحة إلى الفروع اللبنانية والأردنية والمصرية للتنظيم ضمن سياق تصنيفات إرهابية متتالية. وهذا يعني أن واشنطن الجديدة تتجه نحو مقاربة أوسع بكثير من مجرد استهداف جماعات مسلحة، لتشمل بيئات سياسية وفكرية واجتماعية كاملة.

كما أن الوثيقة تعكس انتقالًا أميركيًا من فكرة “تغيير الأنظمة” إلى فكرة “إدارة التهديدات”. فالأولوية لم تعد بناء دول مستقرة أو إعادة هندسة المجتمعات، بل منع تشكل بيئات تهدد الأمن الأميركي، ولو تطلب ذلك عمليات عسكرية محدودة، أو عقوبات، أو حروبًا سيبرانية، أو إدارة طويلة الأمد للفوضى.

وهذا التحول ستكون له انعكاسات مباشرة على الشرق الأوسط عمومًا ولبنان خصوصًا، لأن المنطقة لم تعد تُقرأ أميركيًا بوصفها مساحة تسويات سياسية كبرى، بل كساحة احتواء وردع ومنع تمدد الخصوم.

الحرب الثقافية الأميركية وإعادة تعريف العالم

لكن التحول الأعمق ربما يكمن في مكان آخر: داخل الولايات المتحدة نفسها.

فالوثيقة تكاد تكون أيضًا بيانًا سياسيًا ضد الدولة الأميركية القديمة. إذ تتهم الإدارات السابقة، والأجهزة الأمنية والاستخبارية، باستخدام مكافحة الإرهاب ضد المحافظين والمسيحيين والتيارات اليمينية. وفي المقابل، تضع “اليسار الراديكالي” وحركة “أنتيفا” ضمن دائرة التهديد الأمني الداخلي. و”أنتيفا” هو اختصار لعبارة “Anti-Fascist”، أي “مناهضة الفاشية”، وهي شبكات يسارية راديكالية ظهرت لمواجهة جماعات اليمين المتطرف، لكنها تُتهم من خصومها باستخدام العنف والفوضى خلال الاحتجاجات والمواجهات السياسية.

وهنا تتداخل الحرب على الإرهاب مع الحرب الثقافية الأميركية. يصبح الأمن القومي امتدادًا للصراع على الهوية والقيم وطبيعة المجتمع الأميركي. وتتحول مكافحة الإرهاب إلى أداة لإعادة تعريف “الأميركي الحقيقي”، ولتحديد من ينتمي إلى المشروع القومي الجديد ومن يُنظر إليه كتهديد داخلي أو خارجي.

بهذا المعنى، تبدو الاستراتيجية انعكاسًا لتحوّل أوسع يشهده الغرب عمومًا: تراجع الليبرالية الدولية التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وصعود الدولة القومية الأمنية، والعودة إلى مفاهيم السيادة الصلبة، والحدود المغلقة، والقوة المباشرة، والصراع الحضاري المفتوح.

حتى أوروبا تظهر في الوثيقة بوصفها قارة ضعيفة اخترقتها الهجرة والفوضى والتطرف، فيما تُتهم النخب الأوروبية بالعجز عن حماية مجتمعاتها أو مواجهة الإسلاموية والجريمة المنظمة. أما أفريقيا وآسيا، فتُقرأان أساسًا من زاوية منع قيام ملاذات آمنة جديدة للتنظيمات الجهادية، مع تقليص الانخراط الأميركي المباشر وتحميل الحلفاء جزءًا أكبر من الأعباء.

في الخلاصة، لا تبدو استراتيجية مكافحة الإرهاب الأميركية الجديدة مجرد تحديث أمني لوثائق سابقة، بل إعلان انتقال إلى مرحلة مختلفة بالكامل: مرحلة تتراجع فيها العولمة السياسية، وتتقدم فيها الدولة الأمنية، ويتوسع فيها تعريف الإرهاب ليشمل طيفًا واسعًا من الخصوم والهويات والتيارات.

إنها وثيقة تقول شيئًا أبعد من مكافحة الإرهاب:

أميركا لم تعد تريد فقط حماية العالم الذي قادته لعقود… بل تريد إعادة تعريفه من جديد.