الأقسام
حجم الخط:

بين التهويل و الواقع : قراءة مغايرة لبعض مؤشرات الاقتصاد اللبناني

بين التهويل و الواقع : قراءة مغايرة لبعض مؤشرات الاقتصاد اللبناني

شكّل العدوان الإسرائيلي على لبنان، إلى جانب التوترات الإقليمية المرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، عوامل ضغط إضافية على اقتصاد يعاني أصلاً من أزمات بنيوية عميقة. وقد أفضت هذه التطورات إلى تداعيات مباشرة وغير مباشرة، أبرزها ارتفاع أسعار النفط والغاز وما يترتب عليه من زيادة في كلف الإنتاج والنقل والمعيشة، إضافة إلى أضرار جسيمة طالت البنى التحتية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، ونزوح ما يقارب المليون نسمة، مما أثقل كاهل الخدمات العامة وسوق العمل والسكن والصحة والتعليم، وألحق أضراراً بالغة بالمحاصيل الزراعية.

في المقابل، تهيمن على المشهد الإعلامي قراءات متشائمة حول مستقبل الاقتصاد اللبناني، تستند في أحيان كثيرة إلى أرقام غير موثوقة ومنهجيات غير واضحة، تُوظَّف لتعزيز الإقناع لا للوصول إلى الحقيقة. وتزداد هذه الصورة قتامةً حين تُضاف إليها تصريحات بعض الوزراء والمسؤولين الماليين التي تُضخّ مزيداً من التشاؤم، في سياق قد يكون مرتبطاً بتأجيل مستحقات أو التهرب من استحقاقات مالية ضاغطة. والأكيد أن هذا الخطاب التشاؤمي المتراكم يزيد من مستوى انعدام الثقة بالاقتصاد اللبناني.

تسعى هذه المقالة إلى مقاربة مختلفة، للإجابة عن سؤال جوهري: هل الوضع الاقتصادي في لبنان بالغ السوء فعلاً كما يُصوَّر؟ وهل تستطيع الحكومة تدبير شؤونها العاجلة؟ مع التأكيد أن النقاش يقتصر على إيرادات الخزينة وقدرتها على تلبية الحاجات الطارئة، دون التطرق إلى الأعباء البنيوية الكبرى التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجتها على مدى سبع سنوات.

بداية، لا بد من الاعتراف أن الأرقام في لبنان لم تكن يوماً دقيقة أو موثوقة حتى لو صدرت عن جهات رسمية، بل هي كما قال عنها الرئيس سليم الحص “وجهة نظر”، أي يتم التعامل فيها ومعها كل حسب مبتغاه وهدفه منها. وبالعودة إلى الوضع الاقتصادي اللبناني، لا بد لنا من القول إن النظريات الاقتصادية لا يمكن تطبيقها في لبنان كما في الدول الأخرى نظراً لتعقيدات المشهد المحلي؛ فلبنان بلد المفاجآت أكثر مما هو بلد التوقعات، ولذلك فإن التوقعات الجامدة والمنعزلة عن بعضها البعض لا توضح الصورة الحقيقية بقدر ما تزيد ضبابيتها.

وفيما يلي، نتناول أبرز المؤشرات التي يُستند إليها في رسم هذه الصورة القاتمة، محاولين قراءتها بعين مغايرة.

أولاً: نضوب العملات الصعبة

يتداول البعض فكرة نضوب العملات الصعبة في السوق، مستندين إلى مجموعة من العوامل، أبرزها:

١- تراجع أعداد السياح وتأثير ذلك على الإنفاق السياحي كمصدر أساسي للعملات الأجنبية.

٢- انخفاض تحويلات اللبنانيين إلى ذويهم في الداخل.

٣- غياب القروض والمنح، بما فيها المخصصة لإعادة الإعمار.

٤- تراجع الصادرات إلى الخارج.

غير أن تحليل هذه العوامل بشكل تفصيلي يفضي إلى نتائج مختلفة:

أ- السياحة:

شهدت أعداد السياح انخفاضاً خلال الشهرين الماضيين نتيجة اندلاع الحرب، إلا أن هذا التراجع قد لا يكون ذا أثر كبير في حال إعلان وقف لإطلاق النار في الأيام القريبة القادمة، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو ٧٠٪ من السياح هم من اللبنانيين غير المقيمين، الذين يزورون البلاد غالباً خلال فصل الصيف والأعياد. وعليه، يتوقع أن يعود هؤلاء بأعداد كبيرة فور استقرار الأوضاع، وربما ترتفع نفقاتهم مقارنة بالسنوات السابقة.

أما السياح الآخرون، فيأتون بمعظمهم من العراق والأردن ومصر، لأغراض استشفائية أو دينية، إضافة إلى السياح الخليجيين الذين يزورون لبنان لفترات قصيرة، والسياح الأوروبيين الذين ينتمي عدد كبير منهم إلى أصول لبنانية. ومن المهم هنا أخذ البعد النفسي والعاطفي للسائح اللبناني بعين الاعتبار، مقارنة بالسائح الأجنبي. ما يعني أن السياحة في لبنان ليست سياحة تقليدية لأنها مبنية على الروابط العائلية والاجتماعية، وهي ثابتة لا تتعرض لتقلبات كبيرة وسريعة التعافي. وهنا يجب التذكير بأن القطاع السياحي هو قاطرة مهمة لخدمات كثيرة مرتبطة به، مثل تجارة التجزئة وقطاع المطاعم والفنادق وتأجير السيارات والعديد من الخدمات المختلفة.

ب- تحويلات اللبنانيين:

يعد الحديث عن انخفاض التحويلات سابقاً لأوانه، إذ لا تتوفر مؤشرات واضحة على إفلاس شركات أو تسريح واسع للعمالة اللبنانية في الخارج، لا سيما في دول الخليج. كما أن شركات تحويل الأموال لا تزال تعمل بكامل طاقتها، وتشير المعطيات الميدانية إلى استمرار هذه التحويلات، بل وربما ارتفاعها لمواكبة أزمة النزوح، انسجاماً مع طبيعة الروابط الاجتماعية والعائلية القوية لدى اللبنانيين.

ج- القروض والمنح:

لا يمكن التعويل كثيراً على القروض، نظراً لتوقفها منذ إعلان لبنان التوقف عن سداد ديونه الخارجية عام ٢٠٢٠، باستثناء بعض القروض من البنك الدولي. ومع ذلك، من غير المتوقع أن يترك لبنان دون أي دعم دولي، نظراً لعلاقاته الدولية، رغم التحديات المرتبطة بالفساد. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا ستنظم مؤتمراً لدعم لبنان والمساعدة في إعادة إعمار جنوبه.

د- الصادرات:

تشير المعطيات إلى أن حركة التصدير عبر معبر المصنع الحدودي لم تتوقف، حتى في ذروة الأزمة، باستثناء توقف مؤقت لعدة أيام. كما أن مطار بيروت، الذي تمر عبره نحو ٤٠٪ من الصادرات (خصوصاً السلع ذات القيمة المرتفعة كالمجوهرات والأدوية والإلكترونيات)، استمر في العمل، وكذلك مرفأ بيروت الذي شهد ارتفاعاً في حركة الحاويات مؤخراً.

وعلى الرغم من تأثر بعض الصادرات بشكل مؤقت نتيجة الأوضاع الأمنية وارتفاع كلفة الطاقة، فإن هذا التأثير يبقى ظرفياً نظراً لتمركز معظم القدرات الإنتاجية في مناطق أكثر استقراراً كجبل لبنان وبيروت والشمال.

ثانياً: ضريبة القيمة المضافة

وإلى جانب مسألة العملات الصعبة، تبرز ضريبة القيمة المضافة بوصفها مؤشراً محورياً لقياس متانة الإيرادات.

تعد ضريبة القيمة المضافة من أهم موارد الخزينة العامة، حيث تشكل ما بين ٣٠٪ و٣٣٪ من إجمالي الإيرادات. وبحسب تقديرات موازنة عام ٢٠٢٦، التي تتراوح إيراداتها بين ٥٫٥ و٦ مليارات دولار، فإن عائدات هذه الضريبة تُقدَّر بين ١٫٧ و٢ مليار دولار.

في المقابل، وعند احتسابها بناءً على الاستهلاك الكلي المرتبط بالناتج المحلي الإجمالي، قد تصل التقديرات إلى نحو ٤ مليارات دولار، ما يشير إلى وجود فجوة ضريبية كبيرة تعزى إلى ضعف التحصيل والجباية لأسباب لوجستية، مترافقة مع تفشي الفساد وهيمنة الاقتصاد النقدي. وهنا لا بد من الإشارة إلى صدور قرار من وزير المالية مدّد بموجبه مهلة تقديم بيانات الفصل الأول لضريبة الرواتب والأجور من سنة ٢٠٢٦ وتأدية الضرائب العائدة لها حتى ٢٠٢٦/٥/٢٩، وكذلك الأمر أصدر قراراً آخر مدّد بموجبه المهل القانونية لجميع الضرائب حتى ٢٠٢٦/٥/٢٩. إن هذا التمديد يؤدي إلى تباطؤ مؤقت في إيرادات الخزينة.

ثالثاً: الاستيراد

وفي السياق ذاته، يكشف مسار الاستيراد عن وجه آخر للمشهد الاقتصادي.

بقي الاستيراد مرتفعاً نسبياً، نتيجة استمرار استيراد المواد الغذائية والطاقة والمواد الأولية، مدفوعاً بتوقعات مستقبلية متشائمة في ظل العدوان الإسرائيلي، إضافة إلى تداعيات الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران. كما تجدر الإشارة إلى اعتماد التجارة الخارجية بشكل كبير على الدولار النقدي المتوافر لدى التجار، في ظل ارتفاع مستوى الدولرة في الاقتصاد اللبناني، وبالتالي لن تشكّل ضغطاً كبيراً على احتياطات العملات الصعبة.

وأظهرت بيانات شهر شباط ٢٠٢٦ أن حركة الاستيراد سجلت نمواً لافتاً بنسبة ٢١٪ مقارنةً بالربع الأخير من العام الماضي، ما يعكس من جهة نشاطاً جيداً في السوق، ومن جهة أخرى الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط وكلفة التأمين البحري. وبالتالي، من المتوقع أن تنعكس زيادة الاستيراد إيجاباً على إيرادات الخزينة من خلال ارتفاع الرسوم الجمركية.

رابعاً: المحروقات

ومن أبرز المتغيرات المؤثرة في هذا المسار، فاتورة المحروقات التي تحمل وجهين متعاكسين.

على الرغم من أن ارتفاع فاتورة المحروقات ينعكس سلباً على عجز ميزان المدفوعات، إلا أن له آثاراً إيجابية على الخزينة، من حيث زيادة الإيرادات الضريبية، ولا سيما ضريبة القيمة المضافة التي ترتفع بشكل تناسبي مع ارتفاع الأسعار، ورسوم الاستهلاك والرسوم الجمركية. كما يُضاف إلى ذلك الرسم المستحدث بقيمة ٣٠٠ ألف ليرة على البنزين، والذي بدأت الحكومة بجبايته منذ لحظة إقراره في مجلس الوزراء في إطار تمويل زيادة الرواتب التي أُقرّت بمعدل ستة أضعاف، والتي لم يصادق عليها مجلس النواب حتى الآن، وهي بذلك تُعدّ إيرادات إضافية للخزينة تبلغ قيمتها حوالي ٣٥ مليون دولار شهرياً. وهنا أيضاً تقتضي الإشارة إلى أنه بسبب دولرة الاقتصاد فإن جزءاً كبيراً من فاتورة الاستيراد تعتمد بشكل كامل على القطاع الخاص، وهو ما يؤدي بشكل غير مباشر إلى تخفيف الضغط عن احتياطات مصرف لبنان.

امساً: احتياطي مصرف لبنان

وتبقى موجودات مصرف لبنان المؤشر الأكثر حساسية في تقدير قدرة الدولة على الصمود.

تشير بعض التقارير الاقتصادية، ومنها تقرير بلوم إنفست وتقرير بنك بيبلوس، إلى أن موجودات مصرف لبنان ارتفعت ١٤٣ مليون دولار في النصف الأول من شهر نيسان الجاري، حيث ارتفعت الموجودات الخارجية بالعملات الأجنبية من حوالي ١١٫٥٣ مليار دولار إلى حوالي ١١٫٦٨ مليار دولار، وهو مؤشر جيد إلى حد ما في هذه الظروف العصيبة، مع العلم أن احتياطي مصرف لبنان بلغ في نهاية ٢٠٢٥ نحو ١١٫٨٩ مليار دولار وفي نهاية شباط بلغت موجوداته ١١٫٨٨ مليار دولار. كما ينفق مصرف لبنان شهرياً وفقاً لبعض التقديرات حوالي ١٢٠ مليون دولار رواتب وأجور موظفي ومتقاعدي القطاع العام، أما حصة مصرف لبنان من التعميمين ١٥٨ و١٦٦ فتبلغ ما بين ١٨٠ و٢٠٠ مليون، ما يعني مدفوعات إلزامية شهرية تعادل ما يقارب ٣٠٠ و٣٢٠ مليون دولار، يُضاف إليها بعض النفقات الجارية الأخرى على النزوح وأعباء الحرب وهي نفقات استثنائية. في المحصلة، انخفض احتياطي مصرف لبنان منذ الربع الرابع في العام ٢٠٢٥ إلى الربع الأول من العام ٢٠٢٦ بحوالي ٤٢٠ مليون دولار، وهو يُعتبر مقبولاً طوال تلك المدة وفقاً لما صرّح به وزير المالية (صحيفة الأخبار ٢٠٢٦/٤/٢٤)، والأهم أن المصرف المركزي لا يزال يشتري الدولار الفائض المتوفر في السوق.

سادساً: الرسوم الجمركية والرسوم الأخرى

وإلى جانب الاحتياطي، تشكّل الرسوم الجمركية رافداً إيرادياً مباشراً يستحق الوقوف عنده.

تعتمد الدولة اللبنانية على الرسوم الجمركية كمصادر إيرادات رئيسية، وهذه الرسوم في الوقت الحالي ازدادت مع ارتفاع معدلات التضخم العالمية بعد ارتفاع أسعار النفط والغاز والنقل والتأمين، وتبلغ نسبتها بين ١٠ و١٨٪ من مجمل الإيرادات الضريبية. وبما أن الرسوم الجمركية تُستوفى على مجمل الفاتورة، فإن ذلك سيرفع المبالغ المستوفاة لصالح الخزينة.

وهنا نشير إلى أن الزيادة في إيرادات الخزينة تختلف كلياً عن الاقتصاد الكلي؛ بمعنى آخر نحن نشهد زيادة في إيرادات الخزينة، ولكن في الوقت نفسه تزداد الأعباء الاقتصادية على الدولة والمواطن لدرجة الشك في قدرتهما على تحملها. ونحن هنا نحاول فقط النظر في جانب واحد، ألا وهو حجم إيرادات الخزينة اللبنانية، في محاولة لمعرفة قدرة الدولة على المواجهة الآنية لبعض المستحقات الطارئة، تاركين الأعباء الكبرى لمعالجتها في مرحلة لاحقة.

سابعاً: الناتج المحلي الإجمالي

أما على صعيد الصورة الكلية، فلا يمكن تجاهل مسألة الناتج المحلي الإجمالي وما أثارته من جدل.

في حديث لسكاي نيوز، قدّر وزير الاقتصاد أن تراجع الناتج المحلي الإجمالي قد يصل إلى نحو ٧٪. هذا التصريح يصبّ في خانة التوقعات المتشائمة المبالغ فيها. وفي هذا الإطار، وبما أن الناتج المحلي يُقاس على أساس سنوي، فإن مسار الاقتصاد اللبناني في عام ٢٠٢٦ يبقى مرتبطاً بشكل أساسي بتطورات الوضع الأمني خلال الأشهر المقبلة.

وفي حال الاتجاه نحو وقف إطلاق النار بحده الأدنى واستقرار الوضع كما كان عليه نسبياً في الفترة الماضية، فقد يشهد الاقتصاد استقراراً أو نمواً طفيفاً، مدفوعاً بعودة “النشاط السياحي غير التقليدي”، واستمرار تحويلات المغتربين، وإمكانية الاستفادة من بعض القروض الموجهة لإعادة تأهيل البنى التحتية، إضافة إلى احتمالات إطلاق ورشة إعادة الإعمار، فضلاً عن مساعدات ومنح من مصادر شتى قد تساهم في تحريك العجلة الاقتصادية.

كما لا يمكن إغفال دور القطاع الخاص اللبناني، المعروف بمرونته وقدرته على التكيف والابتكار، في دعم النشاط الاقتصادي وامتصاص جزء من الصدمات.

وعليه، يتحرك الاقتصاد اللبناني ضمن هامش ضيق بين التراجع الجزئي والتعافي المحدود، من دون مؤشرات على انهيار حاد، بل ضمن مسار تكيّف يرتبط بدرجة الاستقرار في المرحلة المقبلة.

ثامناً: التضخم

ولا تكتمل القراءة دون التوقف عند ملف التضخم، الذي يشكّل الضغط الأشد وطأة على المواطن اللبناني.

نتيجة البنية الهيكلية للاقتصاد اللبناني، القائم على استيراد الجزء الأكبر من حاجاته، يبقى لبنان مكشوفاً بشكل كبير أمام التضخم المستورد، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز عالمياً، إضافة إلى كلفة الشحن والتأمين البحري.

وفي هذا السياق، أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى ضغوط مباشرة على مستوى الأسعار الداخلية، ما وضع الاقتصاد اللبناني في مسار تضخمي متسارع، انعكس سلباً على القدرة الشرائية، وقد يحد في المستقبل القريب من تحقيق أي مكاسب اقتصادية محتملة.

كما يمكن أن يؤدي استمرار ارتفاع الأسعار إلى ضغوط اجتماعية مرتبطة بملف الأجور والرواتب، حيث تتزايد المطالب بالتعديل، وهو ما قد يخلق تحديات إضافية ما لم تباشر الحكومة بإصلاحات مالية واقتصادية وإدارية ضرورية لمعالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد.

وفي المقابل، فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران قد يساهم في تهدئة أسعار الطاقة والحد من آثار التضخم المستورد، إلا أن هذا الأثر لا يكون فورياً، إذ تبقى الأسعار مرتفعة في الأمد القصير بفعل العقود الآجلة وتأخر انعكاس التراجعات العالمية على السوق المحلية.

في المحصلة، ما سعت هذه المقالة إلى الإضاءة عليه هو أن الوضع الاقتصادي في لبنان ليس بالضرورة على هذه الدرجة من السوء التي تُصوَّر في بعض التصريحات والمقابلات والتحليلات. فصحيح أن جذور الأزمة الأساسية لا تزال قائمة، وتشمل الدين العام، والقطاع المصرفي، وإصلاح القطاع العام، واستعادة الودائع، وتعزيز الاستثمارات، إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية والبنيوية التي يشترطها صندوق النقد الدولي، فضلاً عن تفعيل المؤسسات الرقابية ومكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة والشفافية.

غير أن ذلك لا يعني أن الاقتصاد بلغ مرحلة الانهيار الشامل، إذ لا يزال يمتلك هامشاً من القدرة على الصمود وإمكانات للنهوض، في حال توافرت الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف.

كما أن لبنان ما زال يملك مجموعة من المقومات الأساسية، أبرزها الموارد البشرية المتميزة، والتحويلات المالية من الخارج، وقطاع سياحي مرن يستند إلى قاعدة ثابتة، إضافة إلى علاقات دولية فاعلة يمكن أن تسهم في دعم مسار التعافي.