الأقسام
حجم الخط:

من نهر البارد إلى عبرا: من يدفع الثمن الأكبر في معارك لبنان؟

من نهر البارد إلى عبرا: من يدفع الثمن الأكبر في معارك لبنان؟

منذ سنوات طويلة، يعيش لبنان أزمات أمنية متكرّرة تتحوّل فيها مناطق بأكملها إلى ساحات اشتباك وصراع سياسي وطائفي.

لكن خلف كل معركة، هناك حقيقة نادراً ما يُسلّط الضوء عليها: الفئة التي دفعت الثمن الأكبر بشرياً واجتماعياً واقتصادياً كانت في معظم الأحيان البيئة السنيّة والمسلمة، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها.

بالارقام:

في معركة نهر البارد، سقط 171 شهيداً من الجيش اللبناني، بينهم 120 شهيداً مسلماً مقابل 51 شهيداً مسيحياً.

وفي معركة عبرا، استشهد 18 عسكرياً، بينهم 13 مسلماً مقابل 5 مسيحيين.

هذه الأرقام لا تُستخدم لإثارة العصبيات، بل لطرح سؤال أساسي: لماذا تكون المناطق والبيئات نفسها دائماً في قلب المواجهة، وفي مقدمة الخسائر؟

خلال السنوات الماضية، جرى تكريس صورة نمطية تعتبر أن البيئة السنيّة مرتبطة دائماً بملفات “التطرف” أو “الاشتباك مع الجيش”، فيما يُقدَّم مطلب العفو العام وكأنه امتياز خاص بطائفة تريد الإفلات من المحاسبة.

لكن الوقائع والأرقام تُظهر صورة مختلفة تماماً.

فالبيئة نفسها التي يُتهم جزء منها بأنها تعادي المؤسسة العسكرية، هي نفسها التي دفعت العدد الأكبر من أبنائها داخل الجيش، سواء عبر الخدمة العسكرية أو عبر الشهادة على خطوط النار.

وهذا التناقض يكشف خللاً عميقاً في طريقة مقاربة الدولة والإعلام لهذا الملف.

ولا يمكن فصل هذه الحقيقة عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمناطق السنيّة والشمالية تحديداً.

فـطرابلس، وعكار، والمنية، والبقاع الغربي، وصيدا، هي من أكثر المناطق اللبنانية فقراً وتهميشاً وحرماناً من فرص التنمية والاستثمار والتعليم.

وفي ظل غياب فرص العمل، يتحوّل الجيش بالنسبة إلى آلاف الشباب إلى الخيار الوحيد لتأمين دخل ثابت وحياة كريمة لعائلاتهم.

لكن بسبب هذا الواقع نفسه، يدخل معظم هؤلاء الشباب إلى المؤسسة العسكرية عبر الرتب الدنيا، بينما يحتاج مسار الضباط إلى تعليم جامعي واستقرار مادي وفرص اجتماعية أفضل لا تتوفر لكثيرين منهم.

ولهذا، عندما تقع المعارك أو المواجهات، يكون أبناء هذه الطبقات هم الموجودين على الحواجز وفي خطوط الاشتباك الأولى، وهم الذين يسقطون شهداء بأعداد أكبر.

ورغم كل ذلك، بقي جزء كبير من هذه البيئة متمسكاً بالدولة والجيش، حتى عندما شعر بأن الدولة تتعامل معه بانتقائية سياسية وأمنية.

فالمشكلة لم تكن فقط في المعارك، بل أيضاً في ما تلاها: مئات الموقوفين الإسلاميين تُركوا لسنوات داخل السجون بلا محاكمات عادلة أو سريعة، وبعضهم بقي موقوفاً لفترات طويلة من دون أحكام نهائية.

ولو كان في لبنان قضاء مستقل وسريع وعادل، لما وصلنا أصلاً إلى خطاب “العفو العام”.

فالعدالة الحقيقية لا تعني تبرئة أحد مسبقاً، بل تعني أن يُحاكم كل متهم خلال مدة معقولة، وأن يُدان من تثبت إدانته ويُفرج عن البريء فوراً.

أما إبقاء الناس سنوات طويلة خلف القضبان بلا حسم قضائي، فهو ظلم يتحوّل تدريجياً إلى احتقان طائفي وشعور جماعي بالاستهداف.

لكن مع الوقت، لم يعد النقاش حول العفو العام يُطرح من زاوية العدالة أو إصلاح الخلل القضائي، بل تحوّل تدريجياً إلى بازار سياسي وطائفي مفتوح، تُدار فيه الملفات بمنطق المقايضة لا بمنطق القانون.

فبدل أن يكون الهدف هو تصحيح الظلم وتسريع المحاكمات وإنصاف الأبرياء، أصبح الخطاب العام يوحي وكأن كل طائفة تبحث عن “حصتها” من العفو أو عن حماية جماعات مرتبطة بها.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فعندما تتحول العدالة إلى تفاوض سياسي، يفقد الناس ثقتهم بالدولة وبالقضاء معاً.

وعندما يُختصر ملف بهذا الحجم بمنطق “عفو مقابل عفو” أو “تسوية مقابل تسوية”، يصبح الحديث عن المحاسبة الحقيقية مجرد شعار فارغ.

فالقضية الأساسية ليست في رفض المحاسبة، بل في رفض أن تكون المحاسبة انتقائية.

وليست المشكلة في مبدأ العدالة، بل في غيابها المتوازن والسريع على الجميع.

لأن أي مجتمع يشعر فيه الناس أن القانون يُستخدم بحسب الهوية السياسية أو الطائفية، سيتحوّل تلقائياً إلى مجتمع يعيش على الخوف والاحتقان وانعدام الثقة.

كما أن تصوير العفو العام وكأنه “مكافأة” لفئة محددة يتجاهل حقيقة أن جزءاً كبيراً من الاعتراض داخل هذه البيئة لا ينطلق من رفض الدولة، بل من شعور بأن الدولة نفسها لا تتعامل مع جميع الملفات بالمعايير نفسها.

فحين يشعر الناس أن بعض القضايا تُحسم بسرعة سياسية، فيما تبقى ملفات أخرى سنوات طويلة داخل السجون والمحاكم بلا حسم، يصبح الإحساس بالغبن أمراً طبيعياً، حتى عند الفئات الأكثر تمسكاً بالمؤسسات.

وفي المقابل، تحوّلت كثير من النقاشات المرتبطة بهذه الملفات إلى مادة للانقسام الطائفي، بدل أن تكون مناسبة لمراجعة الأسباب العميقة التي أوصلت لبنان إلى هذا النوع من الأزمات الداخلية.

فبدلاً من معالجة التهميش والفقر والاحتقان، جرى تكريس مقاربة أمنية تعتبر أن الحل يبدأ دائماً بالقوة وينتهي بالسجون، من دون أي خطة حقيقية لمعالجة البيئة التي تنتج هذا التوتر.

كما أن كثيرين داخل البيئة السنيّة شعروا بأن الدولة تعاملت مع الملف بعقلية جماعية، حيث جرى ربط منطقة كاملة أو شريحة واسعة من الناس بصورة “البيئة الحاضنة للتطرف”، فيما تم تجاهل حقيقة أن آلاف العائلات في هذه المناطق قدّمت أبناءها شهداء وعسكريين داخل الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية.

وهنا تظهر المفارقة الأكبر:

فالبيئات التي اتُّهمت مراراً بأنها تشكل خطراً على الدولة، كانت نفسها من أكثر البيئات التي أرسلت أبناءها إلى المؤسسة العسكرية، ومن أكثر الفئات التي دفعت الدم في المعارك التي خاضها الجيش.

وهذا ما يجعل أي مقاربة تقوم على التعميم أو التخوين الجماعي مقاربة خطيرة لا تبني دولة، بل تعمّق الانقسام وفقدان الثقة.

وفي بلد مثل لبنان، حيث تتداخل السياسة بالطائفة بالأمن، يصبح أي خلل في العدالة أو التنمية أو التمثيل الوطني مشروع أزمة مستقبلية.

ولهذا، فإن حماية الاستقرار الحقيقي لا تبدأ فقط بالسلاح والحواجز، بل ببناء دولة يشعر فيها ابن طرابلس وعكار وصيدا والبقاع، كما ابن أي منطقة أخرى، أنه مواطن كامل الحقوق لا مجرد رقم يُستدعى عند الحروب ويُنسى عند التنمية والعدالة.

فالعدالة ليست شعاراً طائفياً، والكرامة ليست امتيازاً لفئة دون أخرى.

وأي دولة لا تنظر إلى جميع أبنائها بالمساواة، ستبقى عاجزة عن بناء استقرار حقيقي، مهما رفعت من شعارات الوحدة والسيادة والمؤسسات.